First Published: 2016-07-26

سلبنا المشاعر من الحقائب

 

حقائبنا مثل أسمائنا ترافقنا بالسفر ونحرص عليها، ينتابنا القلق الدائم عليها وهي معنا، نتحمل ثقلها من دون تذمر، لكن هل بتنا مثل الأمس نؤلف الأغاني والقصائد حولها كما فعلنا مع القطارات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أمبرتو إيكو: تطوّر الحقائب يدين بنفسه إلى حماقة الإنسان

ما الذي تغير؟ الأشياء نفسها وملمسها وطبيعتها ووظيفتها، أم إحساسنا بها؟ إن فقد الإنسان إحساسه بما يمتلك وما يحيط به، هذا يعني حسب الكاتب الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو إن الحياة الحديثة أضحت مساهمة في تحليل الحماقة!

للحقائب دلالة حسية بدأت تأفل بمرور الزمن، مع أن أشكالها تتطور وتصبح أكثر متانة وإغراء، لكنها بلا مشاعر!

حقائبنا مثل أسمائنا ترافقنا بالسفر ونحرص عليها، ينتابنا القلق الدائم عليها وهي معنا، نتحمل ثقلها من دون تذمر، لكن هل بتنا مثل الأمس نؤلف الأغاني والقصائد حولها كما فعلنا مع القطارات.

لم يعد الأمر كذلك -كما يبدو لي على الأقل- أرى الأشخاص يحملون الحقائب اليوم كجزء مشوّه من انسيابية أجسامهم، فهي صارت تعلق على الكتف أو تُركّب على الظهر، وكأن هنالك نسخا بشرية مختلفة الأحجام والأشكال من أحدب نوتردام!

تركيب الحقائب على الظهور وسيلة قديمة من أجل تخفيف ثقلها في المسير لمسافات طويلة، لكنها تحوّلت اليوم مع شيوع الحقائب، إلى شكل مشوّه ومزعج للآخرين. فأنت عندما تكون في القطار أو الحافلة المزدحمة وأمامك من يفتقر إلى الحسّ والكياسة ويترك حقيبته على ظهره، هذا يعني أنه استحوذ على مساحة من دون أن يشعر بها، فحاملها عندما يصطدم بك من الخلف بحقيبته، لا يشعر بذلك، ليس لأنه فقط بلا حسّ حينما أبقى الحقيبة مركّبة على ظهره في مساحة ضيقة ومزدحمة بالناس، بل لأن الحقائب لا تستطيع أن تنتقد حاملها، مع أنها رافقتنا منذ بدء الخليقة، وسلبنا منها المشاعر التاريخية. فلا حامل الحقيبة يشعر بسلوكه الفظ، ولا الحقيبة تعتذر لك!

أمبرتو إيكو عالج مثل هذا الأمر بحسّ فلسفي نادر معتبرا أن الصناع يمارسون الخديعة بافتقار الحقائب إلى المواصفات الهندسية في حساب مركز الثقل وطبيعة حركتها على عجلات وسحبها خلف حاملها، حيث أنّ تطوّر شكلها وجودتها هو في الحقيقة يدين بنفسه إلى حماقة الإنسان العادي، الذي عليه أن يجرّب أخطاء “المصانع العالمية الفائقة”، وأن “يدفع الأموال لقاء أخطاء مصمّمي الحقائب”.

لن يصيب مثل هذا التوصيف حقائب النساء، فهي مازالت تعتد بأناقتها وتحتفظ بأسرارها ولم تفقد وظيفتها ولا تأمل بزيادة حجمها، حقائب النساء ليست كحقائب المسافرين الأفظاظ، أو أولئك الذين جعلوا من أجسامهم جبالا معقوفة.

الحقائب أصبحت معضلة الحياة المعاصرة لرجال الأمن والمطارات والدولة وشركات البريد، مع ذلك هي تزاد وتفرض وظيفتها على الناس، لكنها مع كثرتها لن تحفل بأغنية واحدة مثلما كانت تتآسى فيروز على أسمائنا!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>