First Published: 2016-07-26

العالم العربي وصندوقه أسود

 

الصراع التركي ــ الإيراني ليس صراعا هامشيا، وإن كان يدور في حقول الألغام التي لن يكون ضحاياها إلا من العرب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يعرف أردوغان من الاسرار أكثر مما يجب. لا يتفوق عليه قاسم سليماني في ذلك بل ينافسه في الوقع عينه. نبادل الرجلان الأدوار، من غير أن يزعج أحدهما الآخر. بالرغم من أن الأول يتقلد منصبا رئاسيا فيما لا يعدو الثاني سوى زعيم ميليشيا إيرانية اسمها فيلق القدس.

غير أن هناك ما يدفعنا إلى عدم الاستهانة بسليماني، فالرجل الذي لعب أدوارا مهمة في العراق وسوريا هو مرشح الولي الفقيه للرئاسة الإيرانية. وهو ما يعني أن إيران متجهة إلى التصعيد، في الحقبة التي ستشهد فيها الولايات المتحدة انتقالا رئاسيا، لن يكون في كل الأحوال لصالح إيران.

يهمنا طبعا ما يجري في تركيا وفي إيران، لكن ما يهمنا أكثر ما يجري في عالمنا العربي الذي صار أشبه بالمتاهة، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود. ولأن إيران وتركيا لم تنأيا بنفسيهما بعيدا عن الكارثة التي حلت بالعالم العربي، بل اخترعتا لنفسيهما دورين في تأصيل تلك الكارثة، يفوقان قدرتهما على منافسة القوى الكبرى، فسيتوجب عليهما أن تواجها استحقاقات تاريخية، قد يكون أردوغان قد نجا بإعجوبة من واحدة منها.

ما فعله أردوغان مستندا إلى خلفيته الاخوانية يكاد يكون هو الشيء نفسه الذي فعله سليماني مستلهما فكر الولاية المؤقتة التي تمهد لظهور الامام المهدي.

من خلال أثره المباشر فإن مشروع الرجلين يظهرهما كما لو أنهما يحفران تنقيبا عن الشيء نفسه، غير أن مصالح دولتيهما، وهما دولتان راكزتان على مستوى المؤسسات، تضعهما في مواجهة بعضهما.

أقترب أكثر من المعنى المشار إليه سلفا حين أقول إن تركيا نجحت في تحطيم دولة اسمها سوريا وفي المقابل فإن إيران نجحت في منع قيام دولة في العراق بدلا من تلك الدولة التي حطمها الاحتلال الأميركي.

غير أن لتركيا مصلحة في العراق الذي تحكمه إيران كما أن لإيران مصلحة في سوريا التي حطمتها تركيا.

منطقيا يمكن القول بأن الأجدر بالدولتين أن تتفقا على تقاسم النفوذ بينهما. وهو اتفاق يمكن أن يحل مشكلاتهما الداخلية. غير أن خطر مثل ذلك الاتفاق يكمن في ما يمكن أن ينتج عنه من تخل عن ثوابت عقائدية، هي بالنسبة للإثنين بمثابة النسغ الذي يستمدان منه وجودهما.

لا يمكن لإخوانية أردوغان أن تتطابق مع امامية سليماني. وإلا سيكون على الإثنين أن يعيدا النظر في منطلقاتهما النظرية. وهو ما يعني بالضرورة عودتهما عما ارتكباه من جرائم في حق الشعبين العراقي والسوري.

ولكن تركيا وإيران معا تجدان في المسافة التي تفصل بينهما في التعامل مع مشكلات العالم العربي فرصة لتأجيل صدامهما المباشر، بحثا عن لحظة انفراج قد لا تأتي، في ظل بقاء النظامين الحاكمين فيهما.

لو كان الإنقلابيون قد أطاحوا بإردوغان لكانت إيران قد استعدت لتكون الطرف الوحيد الذي سيحاور الإدارة الأميركية الجديدة في شأن مشكلات الشرق الأوسط. في المقابل فإن أردوغان لا يفكر سوى في إزاحة الشبح الإيراني عن مواقع تمدده المتوقع. وهو في ذلك يفكر في شمال العراق، وبالأخص مدينة الموصل.

وهكذا فإن الصراع التركي ــ الإيراني ليس صراعا هامشيا، وإن كان يدور في حقول الألغام التي لن يكون ضحاياها إلا من العرب. فالكارثة عربية مئة بالمئة، غير أن انزلاق إيران وتركيا إليها يجعلها بمثابة فخ، أريد من خلاله وضع الإسلام السياسي في مواجهة استحقاقاته التاريخية.

خلاصة القول إن العالم لعربي وقد خسر كل شيء قد تحول عن طريق الصدفة إلى صندوق أسود، يمكنه بعد العثور عليه أن بفسر أسباب ذلك الانفجار الهائل الذي تعرضت له مختبرات الإسلام السياسي. وسيكون اردوغان وقاسمي شاهدين ضروريين على مرحلة، كان فيها العالم العربي غائبا عن الوعي.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>