First Published: 2016-07-27

الدين والدولة... في 'موسم اصيلة'

 

محمد بن عيسى لا يزال يلعب دور المحرّك في موسم ثقافي عمره نحو أربعة عقود.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

في "موسم اصيلة"، هناك من يتجرّأ على قول كلام لا يتجرّأ على قوله آخرون في معظم انحاء المنطقة، خصوصا لدى طرح موضوع شائك مثل "النخب العربية والاسلامية: الدين والدولة". يدل ذلك على ان المملكة المغربية، بفضل التجارب التي مرّت بها، وبفضل الملك محمّد السادس اوّلا، قادرة على ان تقدم بالفعل نموذجا يسمح بمعالجة المشاكل المستعصية التي تعاني منها المنطقة العربية خصوصا والعالم الإسلامي عموما وذلك من دون عقد من أي نوع. هذه المشاكل التي يبدو المغرب حالة فريدة في التصدي لها، تشبه الدوران في حلقة مغلقة اكثر من ايّ شيء آخر في عالم يتغيّر بسرعة مذهلة بسبب الثورة التكنولوجية.

لعلّ افضل من عبّر عن التوجه الذي يعكس القدرة المغربية على المساهمة في لعب دور إيجابي على الصعيدين العربي والإسلامي رجل اسمه محمّد بن عيسى رئيس بلدية اصيلة والأمين العام لمؤسسة منتدى اصيلة ووزير الخارجية والتعاون المغربي سابقا.

في الكلمة التي افتتح بها ندوة "النخب العربية والإسلامية: الدين والدولة"، لم يحاول محمد بن عيسى الالتفاف على الموضوع. قال كلاما مباشرا يدل على انّه لا يهمه القاء اللوم على الآخر والهرب من المسؤولية. اشار في البداية الى ان "المطلب ما زال قائما لتنظيم مؤتمر كبير يعالج موضوع انحسار النخب العربية والإسلامية امام ما يتهدّد مجتمعاتها واوطانها".

هناك نقطتان لا بدّ من التوقف عندهما في كلام بن عيسى الذي حرص على تأكيد انّه "لا يجرؤ أي مفكر في الظرف الراهن على تبرئة النخب من بعض مسؤولياتها وتبرير تقاعسها في التعاطي مع ما لم يكن في الحسبان، ولماذا اقصيت او اقصت نفسها عن المعترك".

بالنسبة الى النقطة الاولى التي لا بد من التوقف عندها في الكلمة، فهي متعلّقة بدور رجال الدين. يقول الأمين العام لمنتدى اصيلة في هذا المجال: " لا بد من التأكيد انّه لا يمكن فصل الدين وعزله عن ممارسات والتوجهات التي يمارسها الافراد والجماعات في المجتمعات العربية والإسلامية، علما انّ دروس التاريخ تعلّمنا ان رجال الدين خصوصا المنغلقين منهم، حينما يتولّون أمور الدولة لا تسلم العاقبة دائما بخير".

اما النقطة الأخرى التي لا بدّ من التوقف عندها، فهي المتعلقة بالمغرب وما مرّ ويمرّ به. انها سؤال قبل أي شيء آخر، ذلك ان القصد هو حثّ النخب العربية والإسلامية كي تُعمِل التفكير وتحاول صياغة منظومة تنظم العلاقة بين الدين والدولة وتؤسس لها. ليس ضروريا ان تسمّى علمانية، كفعل لتبعية او تقليدا للغرب، خصوصا اذا تأسست المنظومة المبتغاة على مبادئ تتعايش في ظلّها الطوائف والمعتقدات والملل والنحل. هل هذا ممكن؟"

هنا وفي سياق الإجابة عن السؤال يستحضر محمد بن عيسى ان "كثيرين يأخذون العبر من التجربة المغربية والطريقة التي عالج بها امير المؤمنين الملك محمد السادس إشكالية تحديث الدولة ومؤسساتها دون تعارض مع المقومات الدينية والحضارية التي تميّز المجتمع المغربي ماضيا وحاضرا".

ذهب الرجل بعيدا في قوله ان "لا بد من التذكير بان مفكري النهضة مسلمين ومسيحيين ويهودا وعلمانيين اجتهدوا قدر معرفتهم وتصوروا حلولا للإشكال المتمثّل في العلاقة بين الدين والدولة، فلماذا لا نكمل مسيرتهم ونعيد الاعتبار الى جوهر فكرهم؟"

هذه شجاعة كبيرة في الطلب من النخب العربية والإسلامية تنفيذ مهمات محددة "لا تقبل التأجيل لاثبات حضورها في المجتمع كقوة تستطيع تقديم اقتراحات وتستطيع ممارسة ضغوط توجه نحو ما ينبغي ان يكون عليه التحديث والتقدم وتشييد صرح الحكم الرشيد".

مع مرور السنوات، هناك ما لم يتغيّر في "موسم اصيلة". ما لم يتغيّر هو هامش الحرية على الصعيد الفكري والقدرة على التجدد. بقيت اصيلة واحة صغيرة في واحة كبيرة اسمها المغرب.

ما تغيّر هو اصيلة نفسها. من قرية للصيادين على المحيط الأطلسي، غير بعيدة كثيرا عن طنجه، هناك الآن بلدة بكلّ معنى الكلمة تعج بالناس في فصل الصيف. هناك استثمار في ثقافة الحياة في اصيلة. هناك شعور بان البلدة تتقدم على كل الصعد. يظل البعد الإنساني البعد الأهمّ لما تحقّق في البلدة ومن خلالها. هناك حتّى تحسن في اذواق الموجودين في شوارع اصيلة وفي شكل الوجوه، التي صارت وجوها باسمة، في معظمها طبعا. بدأ اهل اصيلة وزوارها يتعودون على ضرورة تطوير ذوقهم، بما في ذلك في المجال الفني، من نحت ورسم وموسيقى.

لم تعد اصيلة حدائق وأماكن عامة فرحة فحسب، بل صارت أيضا ساحات فيها منحوتات لفنانين مغاربة وحفلات موسيقية ذات مستوى رفيع. صارت اصيلة ترمز باختصار الى احد جوانب النهضة المغربية في عهد الملك محمّد السادس وهي نهضة تتجاوز البنى التحتية الى الانسان. الانسان المغربي اوّلا. خدمة الانسان المغربي هدف بحد ذاته في المملكة التي يعتبر فيها محمد السادس ان الحرب على الفقر والتخلف، تبقى اهمّ الحروب المطلوب خوضها.

يؤكّد التطور الذي تشهده اصيله، والذي لا يلاحظه الا من يغيب عن البلدة فترة من الزمن تسمح له برؤية الفارق، الاستثمار المجدي في كلّ ما له علاقة بالإنسان فضلا عن اهمّية الحوار. هذا الحوار، الذي لا يخشى المحرمات والعقد، أتاح لـ"موسم اصيلة" مواكبة التغييرات العميقة التي يشهدها العالم. لخص وزير الخارجية الاسباني السابق ميغيل انخلو موراتينوس في مداخلة له في اصيلة الوضع العالمي بقوله ان "علينا اعداد انفسنا لتغييرات كبيرة في هذا العالم". أشار الى ان الناس في الشارع أوقفوا انقلابا عسكريا في تركيا والى انّه "سيتوجّب على الامم المتحدة نفسها ان تتغيّر".

لا أجوبة عن الأسئلة المطروحة في ما يخصّ مرحلة المخاض التي يمرّ فيها العالم. لكن محمد بن عيسى حاول ذلك كاشفا انّه لا يزال يلعب دور المحرّك في موسم ثقافي عمره نحو أربعة عقود. حرّك، بين ما حرّك، في اصيلة نقاشا في شأن المنظمات غير الحكومية ومدى ارتباطها بالدول او الجهات التي تمولها. كان نقاشا مثيرا للاهتمام، اقلّه من زاوية ان مثل هذا النوع من النقاشات يمكن ان يستمر الى ما لا نهاية من دون الوصول الى نتيجة او خلاصة او رأي موحد. لكن علي عبدالله خليفة المستشار في الديوان الملكي البحريني اعطى صورة موجزة عن الدور الذي يمكن ان تلعبه منظمات المجتمع المدني في دعم دولة مثل البحرين يمتلك شعبها تجربة مهمة وغنيّة سمحت له بالصمود في وجه العواصف التي تتعرض لها المملكة وذلك منذ قيام "اسرة الادباء والكتاب" في العام 1969، أي قبل الاستقلال، ثم "الملتقى الثقافي الأهلي" الذي حلّ مكانها في العام 1995.

كان هناك صعود ونزول في ندوات هذه السنة. كان هناك اشخاص من مستويات متفاوتة تماما شاركوا في النقاشات التي تخللت "موسم اصيلة" في 2016. على الرغم من ذلك، يبقى ان لا بديل من اصيلة في عالمنا العربي الممتد من المحيط الى الخليج... او ما بقي منه.

يظلّ اهمّ ما في اصيلة، اصيلة نفسها وكيف اثرت التجربة ايجابا على المواطن ابن البلدة نفسها او على المغربي في شكل عام. تغيّر العالم وتغيرت المنطقة. لكن اصيلة بقيت تتغيّر نحو الاحسن والافضل من دون ان تتغيّر اصالتها. باختصار شديد، تبقى اصيلة المكان الذي يقال فيه: "نحن مجبرون على التحليق في هذا الكوكب الذي نتقاسمه مع الآخرين... فالتغيير لا يكون بالخبز وحده ولا بالفكر وحده، وانّما بثلاثية الأدوار المتمثلة في لقمة العيش، ومنارة النخب، والقيادة السياسية الحكيمة".

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>