First Published: 2016-07-27

تونس التي تثق بالجمال

 

ما تفعله تونس اليوم في كل لحظة هو الدفاع عن حياتها المدنية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هناك من التونسيين مَن لا يزال يضع يده على قلبه، خشية أن تنقلب العربة أو تغير اتجاهها، بسبب الجهل بما يمكن أن يخبئه القدر من مفاجآت. حديث في السياسة، غير أنه لا يعتمد معطيات الواقع أساسا له بل يرتهن إلى عالم غيبي، صار جزءا من ثقافة شعب، اعتاد أن يصحو على غير ما حلم به.

وهو ما لا يعني أن التونسيين شعب يائس. على الأقل هناك إرادة شعبية تصر على أن لا تنحرف ثورة الياسمين عن مسارها. لقد ورطوا العالم العربي بما سمي ظلما بالربيع العربي، وهم أبرياء من تلك التسمية. كانت ثورتهم بمثابة حمامة، أطلقت عليها النار حين حلقت في سماء غير بلد عربي، غير أنها لا تزال تضرب بجناحيها الهواء من حولهم. هي رسولتهم الصامتة إلى العالم.

تونس مثل أي بلاد أخرى هي شعبها.

ومَن يرى ذلك الشعب الرقيق في احتفالية افتتاح مهرجان المحرس الدولي للفنون مثلما رأيته لا بد أن ينحني اجلالا لمحبته للحياة وثقته بها. كانوا صغارا يغنون للكبار وكبارا يغنون للصغار وبين الإثنين كانت أغاني الحنين إلى فتوة شعب أراد الحياة تصنع خيطا من الأمل، هو التعبير الأمثل عن الحياة بالمستقبل.

ما كان للمحرس أن تكون موجودة لولا مهرجانها الدولي الذي استخرجه ابنها يوسف الرقيق (1941 ــ 2012) من العدم. كانت قبل ذلك المهرجان قرية نائمة على المتوسط. قرية لم تكن شواطئها جاذبة بسبب ما لحق بها من اهمال. يمكنك فقط أن تذهب من خلالها إلى جزيرة قرقنة لتنساها في ما بعد.

يوسف الرقيق الذي كان رقيقا أكثر مما يشير إليه اسمه استطاع أن يجترح المعجزة. موهبة ذلك الرجل الحقيقية تكمن في رقته. فلا هو ولا بلدته يملكان المال الذي يمكنهما من منافسة المهرجانات واللقاءات العالمية.

حين أشهر الرقيق عن أول دورات ذلك المهرجان عام 1988 لم يخف فقره.

وهو ما تفعله تونس اليوم في كل لحظة من لحظات دفاعها عن حياتها المدنية.

توفي الرجل المبدع قبل أربع سنوات، غير أن وصيته لا تزال حية. لقد تحول المهرجان إلى قضية يتوارثها المحرسيون. هناك فن عالمي هو من حصة تلك البقعة النائية التي رأيتها قرية في عام 1992 فإذا بها تتحول إلى مدينة كما لو أن المهرجان ضخ فيها أسبابا جديدة للحياة.

"هذا شعب يحب الحياة" قلت لنفسي وأنا أرى الحشود وهي ترقص في الشارع. لا يليق بتونس سوى أن تكون ابنة العالم المعاصر بكل حيويته. وهي حيوية يعبر عنها الفن في أجل صورها. إنها صناعة الناس العاديين الذين اختاروا الانحياز إلى لحظة الجمال التي اخترعتها مدينتهم.

لقد حاولت أن أخفف من وطأة الخوف الذي يثقل على التونسيين، المثقفين منهم بالذات. تونس من وجهة نظري لن تخون قدرها. ما فكر فيه يوسف الرقيق قد تخطى مرحلة الحلم. فالشعب الذي يجد سعادة في استقبال الفنانين القادمين من مختلف انحاء الأرض لا يمكنه التفريط بحقيقة أن الأرض ما خلقت إلا من أجل استقبال قدمين حرتين.

لقد استجاب القدر أخيرا لأن الشعب أراد الحياة.

كان يوسف الرقيق قد قدم بلدته الصغيرة هدية للجمال. اليوم يظهر الجمال امتنانه لتلك البلدة التي لا تزال فقيرة، غير أنها كرم ناسها يشي بغنى، يذكر بعالم الأرواح الهائمة التي تزورنا في لحظات الشدة.

في المحرس رأيت ثورة الياسمين مجسدة في حرية بشر عاديين ينظرون إلى الفن من جهة كونه ضيفا أسريا، ينبغي الاهتمام به والإعلاء من شأنه وتحمل تبعات ضيافته التي لا يخفون سعادتهم بلقاء جمالها.

لا شيء يقلق في بلد، يثق أهله بالجمال.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
المزيد

 
>>