First Published: 2016-07-29

خمسة آلاف سنة من الحنين

 

قلة من البشر تغادر أوطانها وهي في حالة صلح داخلي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يمزج الحنين إلى الوطن الأشياء بعضها بالبعض الآخر. يستيقظ الغضب بعد أن ذهب النسيان بأسبابه. ويصبح المرء فريسة لنوع ماكر من الندم، لا بسبب ما فعله بل بسبب ما لم يفعله. ولكن أكان يمكن تفادي الهروب في اللحظة التي جرى فيها كل شيء بطريقة مباغتة؟

قلة من البشر تغادر أوطانها وهي في حالة صلح داخلي. "لقد فعلت ما هو صواب" لا يقولها المرء إلا بعد مرور سنوات طويلة على انقطاعه الاضطراري عن الحقل الذي درب حواسه على التعامل مع العالم فيه ومن خلاله. غالبا ما تكون طرق العودة مسدودة. يُرجع البشر العاديون ذلك الانغلاق إلى أسباب سياسية، من غير أن يأملوا في اختفائها.

مع الوقت تختفي أشياء كثيرة. تحدث انقراضات واندثارات في أماكن عديدة، بعضها يُرى بالعين المجردة فيما يحتاج البعض الآخر إلى إعمال الفكر من أجل الشعور به. يضيق أفق ويتسع آخر وتتبادل الكائنات والأشياء أماكنها.

تصعد طبقات وتهبط طبقات، من غير أن يكون السلم واحدا. يحدث ذلك كما لو أن قوى خفية تتسلى بممارسة لعبة "الحية والدرج" وهي في حالة عمى عمَن يصعد وعمَن يهبط. لا أحد يبحث عمَن يقنعه. فالوقائع نجري بطريقة عبثية.

يغلق المهاجر عينيه من الداخل. في البدء يمثل دور مَن يرى ويفهم. ثم ينتقل إلى دور من يرى ولا يفهم وأخيرا يعترف بأنه لا يرى ولا يفهم. وهي مرحلة يتم من خلالها تحييد اليأس، فيصبح عادة ولن يتهم أحد أحدا بالتشاؤم.

يفضل المرء أن لا يرى لأنه فعلا لا يرى فهو بعيد.

ويفضل أيضا أن يتصالح مع نفسه حين يقرر أنه لم يعد يفهم، معترفا أنه لم يكن قد فهم شيئا يوما ما. ولكن ما علاقة كل هذا بالحنين؟

سأذهب إلى الحكاية الواقعية مباشرة. أخبرتني رسامة مصرية أنها زارت العراق قبل سنتين وأحبته. "أقصد أحببت ناسه" قالت فبقيت صامتا. حدثتني بفخر عن مناقب أولئك الناس وحين اكتشفت أن لا أثر لذلك المديح قد ظهر على وجهي. قالت "إنك لم تسألني ما الذي حملته للذكرى من بغداد". وحين بقيت صامتا مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت ورقة نقدية خضراء ومدتها إلي "هذه العملة العراقية".

قبضت على تلك العملة الورقية رغبة مني في تأملها، غير انني شعرت فجأة أن حواسي كلها قد توقفت عن العمل. كانت المرأة لا تزال تتكلم من غير أن أكون قادرا على فهم ما تقول. لقد تذكرت حكاية الطرق المسدودة.

ورقة بخمسة الاف دينار. رقم فلكي بالنسبة لي يشير إلى ثروة تكاد تكون متخيلة لمَن كان راتبه الشهري تسعين دينارا فقط. في حقيقة الامر كنت أنظر إلى تلك الورقة ولم أكن قادرا على رؤية الأشياء التي رسمت عليها، بالرغم من أنني قلبتها غير مرة في اهتمام بصري لم يعني على النظر.

كنت أفكر بخمسة الاف كيلومتر. هي المسافة التي صارت تتسع.

خمسة الاف خطوة هي المسافة التي لم أمشها لاختصار طريق السلامة.

ولكن هناك خمسة الاف سنة من الحنين كنت مشيتها في المتحف البريطاني وأنا اتأمل الدمى السومرية.

ما الذي فعلته تلك الورقة التي لا تصلح للاستعمال بي وقد أصبحت مجرد ذكرى، حملتها امرأة مصرية من بغداد، بعد أن أحبت ناسها، من غير أن ترى الدموع في عيونهم؟

لقد انتصرت علي تلك الورقة وهدمت كل الجدران التي بنيتها من أجل أن لا تمر أشباح الحنين وتصل إلي.

ورقة خضراء صغيرة أحضرت أمامي مشهدا لبستان يتألف من خمسة الاف نخلة، كنت أمر به يوميا مسرعا من غير أن أتخيل أنني سأبكي لأنني فوت على نفسي فرصة المشي في ظلاله.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
مشردو اليوم هم سادة المستقبل
2017-05-13
المزيد

 
>>