First Published: 2016-07-31

العالم لن يكون أفضل رغم أن الإنترنت تقدم لنا الأفضل

 

السؤال الأكبر لا يقتصر على منصات التواصل الاجتماعي المتسابقة على جذب شغف الجمهور، وإنما على الإنترنت برمتها كأداة غيّرت العالم، هل وجدت لتكون حلا للعالم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عرضت إدارة فيسبوك مؤخرا استبيانا على المستخدمين اختصرت فيه الواقع بسؤال “هل توافق على أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي جيدة للعالم؟”، مثل هذا السؤال مهما يكن التوافق الشعبي عليه أو الاختلاف، فهو يمنحنا فرصة للتفكير بالمستقبل.

السؤال الأكبر لا يقتصر على فيسبوك وحده، أو منصات التواصل الاجتماعي المتسابقة على جذب شغف الجمهور، وإنما على الإنترنت برمتها كأداة غيّرت العالم، هل وجدت لتكون حلا للعالم.

نفس السؤال يعيد صياغته أندرو هيل من صحيفة فايننشيال تايمز بشكل يشبه التوقع عما سيبدو عليه العالم بعد 30 عاما مثلا، هل تم تحقيق المساواة بين الجنسين، أو تلاشت الجريمة المنظمة، أو أصبحت الطاقة الرخيصة متاحة بوفرة.

يمكن أن نضيف له أكثر من ذلك وفق قلقنا المتفاقم، هل ستساعد الفرص المتاحة على الإنترنت على تخليص العالم من التطرف، وهل ستستثمر شعوبنا في مثل هذه التجربة الحية لإعادة تنظيم نفسها بديمقراطية حرة بعيدا عن الخرافة والتخلف الاجتماعي والديني.

وهل سيكون التواصل التكنولوجي السريع بين الناس فرصة لإعادة تشكيل مفهوم الحكم في الدول العربية.

في الواقع، إن السؤال القديم عما إذا كانت الإنترنت حلا أم مشكلة، سيعاد تكراره بطرق مختلفة اليوم وفي المستقبل، كلما فشلنا في إيجاد الطريق للوصول إلى تلك الأهداف.

سبق وأن أجاب أريك شميدت، الرئيس التنفيذي لشركة غوغل، على ذلك بالقول إن شبكة الإنترنت جعلت من العالم أكثر ديمقراطية عبر المزيد من الانفتاح والتواصل بين البشر، وأن لديها ما يكفي حتى الآن لترقى إلى مستوى اسمها.

لكن فينت سيرف، كبير مبشري الإنترنت في غوغل، كان صادقا وواقعيا عندما تصدر هو وآخرون الإنترنت في وقت مبكر في سبعينات القرن الماضي كانوا “مدفوعين برغبة في حل مشكلة خاصة” وليس لإصدار بيان عن ربط العالم بعضه ببعض.

حتى السير تيم بيرنرز لي واضع فكرة نظام الويب المعتمد على ربط نظام المعلومات، عبرَ في أكثر من مرة عن خشيته من تلاشي هذا التنوع عبر تهديده بطرق مختلفة، بعدما أراد أن يصبح الويب أداة قوية في كل مكان لأنه بني على مبادئ المساواة.

ويشبّه مخترع الويب ذلك بـ”جزر مستقلة ضمن سياج كبير”، لتصبح الإنترنت مجرد بنية تحتية لعدد كبير من التطبيقات بعدما كان الويب/المتصفح هو التطبيق الأساس.

هناك دافع تجاري تحركه شركات الأموال الضخمة وراء كل ما يجري اليوم في سيرفرات الإنترنت الهائلة، لا يمت بصلة للكلام العاطفي بشأن مستقبل العالم الأفضل. والأسئلة التي يطلقها ذوو النيات الطيبة تتردد في وسائل الإعلام، فيما تناقش كبرى الشركات الوسائل الأجدى لكسب الأموال وإغراء الناس بنوعية الخدمات المتقدمة.

مثل هذا الرأي جسدته الجمعة ماريسا ماير، الرئيسة التنفيذية لشركة ياهو، عندما اعتبرت أن الإنترنت لم تكُن شيئا أكثر من “مشروع أبحاث حكومي” قبل تأسيس ياهو في العام 1994.

ودافعت عن تأثير ياهو “الإنساني” بتأكيدها على أن الكثير من الناس لا يستطيعون العيش من دون منتجاتها: شبكة الإنترنت، ومحركات البحث، والبريد الإلكتروني، وعلى ما يبدو اختيار غير محدود من المحتوى. بكل بساطة تقول ماريسا إن ياهو “غيرت وجه العالم إلى الأفضل”.

لكن هذا الأفضل بحاجة إلى تعريف يتفق عليه الناس، ما قيمة الرفاهية من دون قيم؟ هل يكفي أن نجعل التكنولوجيا تتطور بسرعة فائقة من دون أن نمنع وقوعها بيد الأشرار واستخدامها بنيات فاسدة وقاتلة؟

أو بتعبير أندرو هيل، مهمة فيسبوك هي “منح الناس القدرة على المشاركة وجعل العالم أكثر انفتاحا واتصالا”. لكن المهندسين أو المحاسبين المحتجزين في مكاتب صغيرة بحاجة إلى جسر لوصلهم بـ”مروج الأقحوان”.

كنت مستمعا عندما قال شميدت “شبكة الإنترنت ربطت العالم لإطلاق سراح العالم!”.

وعندما احتدم الجدل حول هذه الفكرة عاد الرئيس التنفيذي لشركة غوغل للتبرير التاريخي القائم على فكرة الخير والشر بالقول “إن الإنترنت لن تخلو بأي حال من الأحوال من المتطرفين كمن يود استخدام سيارة من دون سائق ولا يفكر بالعواقب، وسنبقى نواجه مشكلة التمييز بدقة بين الحقيقة والتضليل، وهنا تكمن الصعوبة في التغلب على مثل هذه المشاكلات”. كان مثل هذا الكلام قبل أن تطلق غوغل سيارتها من دون سائق!

وفي كل الأحوال، سيبقى جاك دورسي الرئيس التنفيذي لتويتر، متشبثا بطموحه لإقناع الجميع بأن منصته هي النافذة الأفضل للعالم، وهي نفس الصيغة التي استخدمتها ماريسا ماير وقبلها إريك شميدت ومن ثم مارك زوكربيرغ…، لكن العالم لن يكون بحال أفضل مع أن الإنترنت تقدم لنا الأفضل!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
عندما يتمرد السياسيون، الصحافيون يقفون بثبات
2017-06-04
ثور هائج في متحف خزف
2017-05-30
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
المزيد

 
>>