First Published: 2016-08-01

شعوب وأنظمة وبلدان حائرة

 

لماذا تتذمر الشعوب العربية من الفساد وهي تحتفي في نفس الوقت بالفاسدين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

سياسيو العالم العربي في حاجة إلى من يمد لهم يد العون من أجل تصريف شؤونهم. وهم في ذلك انما يلقون اللوم على الشعوب. ليست الشعوب متعاونة، كما لو أن وظيفة السياسي شرفية. إنه يحصل على امتيازاته غير المتداولة في العالم تكريما له لنضالات، لم تكن مسألة الدفاع عن الشعب وحقوقه ومصالحه جزءا منها.

هناك مثلا رئيس للجمهورية العراقية، لا أحد في إمكانه أن يعرف تفاصيل وظيفته. يُقال إنه حامي الدستور. وهي مهمة منسية في بلد تجري فيه الحروب في ظل الدستور. تقتطع أجزاء من العراق تنفيذا لفقرات من الدستور. توزع ثروات الشعب غنائم بين الأحزاب الطائفية انسجاما مع ما يقره الدستور. تحولت الوزارات فيه إلى اقطاعيات عائلية من غير أن يُحدث ذلك خللا في الدستور.

ذلك الدستور في حقيقته كُتب ملغوما، اما حاميه وهو رجل قانون فيفضل أن يضع راسه على وسادة محشوة بالسطور الساقطة من ذلك الدستور لتعينه على النوم، مرتاح البال والضمير.

حالة العراق وإن بولغ بما تنطوي عليه من استخفاف بالشعب ليست استثنائية. جرى ما يشبهها مجرى العادة في بلدان عربية أخرى. ففي الوقت الذي تحدث فيه المجتمعات سيل وأدوات ووسائل تفكيرها تبقى الدول سجينة تخلف سياسييها، وهو ما أضفى على علاقة المجتمع بالسياسيين نوعا غريبا من الاشفاق الذي لا علاقة له بعالم السياسة ولا ببنية الدولة الحديثة.

في سياق السلوك التاريخي العربي فإن الدولة تقوم بوظيفة ريعية في محاولة منها لحفظ ماء وجوه لسياسييها. وهي في ذلك لا تراعي حاجات المجتمع الذي تركها تلهث وراءه. فمَن يتذكر نبيه بري عليه أن يطوي صفحة الحرب الأهلية وحركة أمل ويلتفت فقط إلى مجلس النواب الذي يترأسه الرجل منذ زمن طويل، من غير أن يكون قادرا على ضبط النصاب فيه من أجل انتخاب رئيس للجمهورية.

هناك مَن يشفق على فاروق الشرع، كونه أخرج من حلبة الصراع الدبلوماسي في سوريا، كما لو أن الرجل كان مؤتمنا على قواعد اللعبة الدبلوماسية التي أخذها معه إلى البيت حين تقاعد فضلت سوريا طريقها بين يدي إبراهيم المعلم الثقيلتين. هناك مَن يزعم أن الوضع سيكون مختلفا في سوريا لو أن الشرع لا يزال وزيرا للخارجية.

مع محمد مرسي في مصر تصل تلك المفارقة إلى لحظة الانفجار.

هناك اليوم في مصر من يتمنى عودة مرسي إلى الحكم. هل هي بلاهة فطرية أم عناد عقائدي أعمى؟ أين هي وطنية المصريين من كل ما يجري؟

حين عين الغنوشي صهره وزيرا لخارجية تونس، كان ذلك بمثابة نقض لشروط ثورة الياسمين. ولكن كل شيء جرى التحايل عليه كما لو أنه لم يقع. لقد فشلت تجربة الإسلاميين وعلينا أن نطوي الصفحة كلها.

هناك استغفال عظيم للمجتمعات التي صحت على الفجيعة، من غير أن تتمكن من مراجعة أسباب تلك الفجيعة. وهي أسباب لا تزال قائمة، ما دامت تلك المجتمعات تضع السياسي في مكان، يحصنه من المساءلة والعقاب. السياسي موجود لا من خلال ما يفعله بل من خلال هالته التاريخية التي غالبا ما تكون مزيفة.

لقد خانت المجتمعات العربية حقيقتها حين استسلمت لسياسيين هم في حقيقتهم مجرد قطاع طرق وأفاقين ولصوص وسماسرة ومسوقي ذكريات رديئة ورجال أعمال وحزبيين هاربين من العقد الاجتماعي وتلاميذ في مدرسة الزيف العالمية. وهو السبب الذي يقف وراء إصابة السياسة العربية بفقر خيال دائم.

لذلك أعطى الآخرون لأنفسهم الحق في التفكير في مصائرنا بالإنابة عنا.

أفسدت السياسة الحياة العربية، غير أن المجتمعات وإن تحولت إلى ضحية بسبب ذلك الفساد فإنها كانت قد ساهمت في خلقه، فهي لم تدرك أن احتفاءها بالفاسدين هو قمة الفساد.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
بسلطة القانون تُنتهك الطفولة في العراق
2017-11-05
المزيد

 
>>