First Published: 2016-08-02

ناس طيبون وسياسيون جاحدون

 

انهارت المدن العربية بسبب انهيار المجتمعات التي تقيم فيها. انظر من حولك!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين يزور المرء بعض المدن العربية يشعر بالأسى بسبب نوع الحياة التي يعيشها الناس هناك، وهي حياة رثة ومزرية وثقيلة ومهشمة ومفككة، بل وقبيحة لا جمال فيها.

مشاهد تلك المدن فقيرة، مد الخواء غيومه السوداء في فضاءاتها فصارت السماء تمطر ترابا بدل الماء لتتسع الصحراء وتلتهم الحواس وصولا إلى الانقضاض على خيال تلك الحواس.

مدن مهملة، لم تمتد لها يد بأي نوع من الكرم الجمالي، وهو ما يؤكد أن شيئا من كرم الأخلاق لم يبق في صدور السادة المتربعين على كراسي الحكم ليدفعهم إلى انقاذ تلك المدن التي تحولت إلى أطلال مسكونة.

هناك جحود معلن وصلف ومبالغ في ضلاله يمارسه السياسيون في حق الناس الطيبين، ممن لا يزالون يملكون أملا في أن يلتفت أحد من المتنفذين إليهم، من أجل أن تكون حياتهم ممكنة على الأقل.

من يقبل من أية مدينة في العالم المتقدم إلى تلك المدن العربية زائرا يكون كمَن يهبط من كوكب منير إلى عالم سفلي، هو أشبه بالجحيم. جحيم وسيلته الأكثر ظهورا هي الفوضى. الفوضى التي تُلمس وتُرى وتُشم وتُسمع ويمكن تذوق طعمها.

الفوضى هي خلاصة ذلك العالم ومادته وقوته المدمرة التي تقاوم كل ممكنات الحياة، وهي العناصر الحية التي لا يزال رجل الشارع يحملها في صدره بحسرة، شاعرا بدنوها من الزوال، إذا لم تكن قد انمحت.

يتساءل المرء بحسرة "ترى لمَ كل هذه الفوضى التي تخترق بعنفها الأسواق ودور العبادة والجامعات وصولا إلى الأرصفة والشوارع وحركة السير والمطاعم والشواطئ والمكتبات والمباني وحركة الناس؟"

هذه مدن تُركت لمصير مجهول، يأسها المجسد يهدد قدرة ناسها على الحب بالكراهية التي قد تكون رد فعل يائس ليس إلا. يكره المرء نفسه ليستبدلها بالآخرين الذين لا يملكون ما يقدمونه وهم يدورون بين دروب المتاهة نفسها.

يشعر المرء بالحزن لأن شعوبا كريمة ومقبلة على الحياة ومستعدة للتضحية ومحبة لأوطانها تُدار شؤونها من قبل مجموعة من الفاشلين في الدرس السياسي، الذين لم يفهموا من السياسة إلا كذبها الذي استعملوه في التستر على لصوصيتهم التي يبست بسببها كما يُقال الأنهار.

كل الهبات الطبيعية العظيمة التي من الله بها على شعوبنا هُدرت ولا تزال تهدر يوميا، بطريقة هي من القسوة بحيث تخلق جياعا في بلد زراعي وفقراء في بلد نفطي ومشردين في بلد، كان قادرا قبل سنوات على إيواء الملايين من الغرباء.

لا تستحق شعوبنا نوع الحياة التي تعيشها. وهنا أقصد النوع وليس الدرجة. فالجحيم مثل الكفر درجة واحدة. هناك مَن يقيم بسذاجة وبلاهة مقارنات، أعتقد أنها لا تجرى إلا من أجل القبول بما هو أقل سوءا.

لقد انهارت المدن العربية بسبب انهيار المجتمعات التي تقيم فيها. ولم يكن مفاجئا لذلك أن ينهار معنى العيش اليومي، فدبت الفوضى لتكون هي سيد المكان.

أما كان في إمكان الناس الطيبين أن يكتشفوا أن أبناءهم الذين قُدر لهم أن يكونوا أسيادا قد خانوا الأمانة حين صاروا يمارسون لصوصيتهم كما لو أنها حق شخصي؟

بعد ثورة الياسمين التونسية وما تبعها من ثورات الربيع العربي صار كل شيء واضحا ولم يعد في الإمكان القاء التهمة على الغرب، كونه الجهة الجاهزة لتدبير المؤامرة الكونية التي تهدف إلى تدميرنا.

لقد خلق ناسنا الطيبون الوحوش التي ستلتهمهم.

دمرت تلك الوحوش ومنذ عقود كل ما يمت للحياة بصلة. جمال الطبيعة وجمال البشر وجمال الأخلاق وطمأنينة العبادة وعرق الكفاح اليومي وفكرة الصلح مع الذات. فالعربي يعيش اليوم أسوأ حياة مزدوجة. يرى القبح على أمل أن تكون حياته الشخصية جميلة وسط الخراب.

ما دمره سياسيو العرب لا يمكن ترميمه بالنوايا الطيبة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
بريطاني نعم عراقي لا
2017-08-09
حزب الله من المقاومة إلى المقاولات
2017-08-08
سياسة إيران الرثة وسباق التسلح
2017-08-07
المزيد

 
>>