First Published: 2016-08-04

تنقصنا النزاهة وليس الاستبداد

 

ثمة جانب أخلاقي سيمكن جمال عبدالناصر وحافظ الأسد وصدام حسين دائما من الانتصار على خصومهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

جمال عبدالناصر، حافظ الأسد وصدام حسين ثلاثة رؤساء، ثلاثة قادة، ثلاثة زعماء، لم يمروا بالعالم العربي خفافا أو بطريقة خاطفة، بل حفر كل واحد منهم بئرا من الذكريات التي يختلف وسيختلف الكثيرون في تصنيفها.

ما من أحد من العرب لم يشرب من مياه تلك الآبار.

بهذا المعنى فإن بئر عبدالناصر لم تكن مصرية ولا بئر الأسد سورية ولا بئر صدام عراقية.

حباً وكراهية، سماً وعسلاً، علواً وسقوطاً ظل الرجال الثلاثة حاضرين بعد موتهم.

أحبهم مَن وضع رمزيتهم فوق كل اعتبار، وكرههم مَن أصر على الاكتفاء بالنتائج التي انتهوا إليها واقعيا.

لا أحد في إمكانه أن يزعم أن هناك تشابها بين الرجال الثلاثة الذين لا يزالون يحكمون قبضتهم على أحلام ملايين العرب. حتى في الاستبداد الذي هو سمتهم المشتركة فإنهم لا يتشابهون.

قد يكون التشابه الوحيد بينهم يكمن في أنهم كانوا قادرين على صناعة تاريخ مختلف. لقد قُدر لكل واحد منهم أن ينحرف بالتاريخ ليركب تاريخا يُذكر به.

وهو ما فتح أمامهم أبواب التاريخ كما لم تُفتح لزعيم عربي.

مَن أحبهم ومَن كرههم يجمعان على أن التاريخ العربي المعاصر بناه ثلاثة رجال هم عبدالناصر والأسد وصدام. وهو ما يحملهم تبعات الكارثة التي ضربت العالم العربي ولا تزال تضربه بأعاصيرها المدمرة.

وإذا كان جمال عبدالناصر قد حمل نفسه علنا مسؤولية نكسة حزيران 1967 فإن صدام حسين لم يعبأ كثيرا بما وقع للعراق بسبب مغامرته المجنونة في الكويت. أما حافظ الأسد فقد ظل يعد السوريين بالرد المناسب في الوقت المناسب فيما كانت إسرائيل قد ألحقت الجولان السورية بدولتها رسميا.

هل كان من الممكن أن يحب عبدالناصر شخصيتي القائدين السوري والعراقي لو كُتبت له الحياة وهو الذي مات قبل أن يصعد نجمهما؟

ربما كان لخصومته المتوقعة معهما أن تصنع تاريخا مختلفا. وقد لا أبالغ حين أقول إن تلك الخصومة ستكون أسوأ من الخصومة التي جمعت ناصر بالملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز.

سيختلف الثلاثة على ما يؤمنون به مشتركين. لن يكون مفهوم الوحدة أو القومية العربية واحدا بالنسبة للثلاثة. وهنا بالضبط تكمن واحدة من أعظم مشكلات ارثهم. لا الناصريون ولا الأسديون ولا الصداميون ورثوا مشروعا قوميا يقوم على أساس واقعي وعلمي لإنقاذ الامة من تداعيات الكارثة التي لم تقع بالصدفة.

في البدء كانت مصر التي سلمها أنور السادات لمافيات فساد الانفتاح، ثم تلتها سوريا التي لم يستطع الأسد الابن ضبط انفتاحها التقني والتجاري على العالم إلا من خلال شبكة الأقرباء. اما العراق فإن جيوش الفاسدين قد غزته بطريقة لم يسبق للتاريخ أن شهدها بعد سقوط الدولة التي ربطها صدام حسين بوجوده الشخصي.

يمكن تحميل الثلاثة جزءا من مسؤولية ما جرى للبلاد والعباد بعد موتهم. لقد دمرت نرجسيتهم إمكانية قيام حياة سوية، فلم يرث المصريون والسوريون والعراقيون قوى سياسية منظمة إلا تلك القوى المنضوية تحت لواء الإسلام السياسي وهي القوى التي ما أن ضربت حتى فضلت اللجوء إلى العالم السفلي الذي حفظ لها قدرتها على الحركة البطيئة.

غير أن ذلك ليس كل الإرث الذي تركه الزعماء التاريخيون الثلاثة.

هناك جانب أخلاقي سيمكنهم دائما من الانتصار على خصومهم. يتمثل ذلك الجانب في نزاهتهم التي لم يتمكن أحد من شرخها أو التشكيك بها أو النيل منها. وهو ما يجعل الحنين إلى أزمنتهم مُبرَرا ومشروعا، بما يوحي بالقبول بقدر من الاستبداد مقابل التنعم بعالم يخلو من الجدل السياسي ولا يديره اللصوص.

ليس الاستبداد ما ينقص الحياة السياسية في العالم العربي، فهو عادة متأصلة في مجتمعات لا تزال تعيش في عصور ما قبل الدولة الحديثة. النزاهة وحدها هي الصفة الوحيدة الغائبة.

صار الكثيرون اليوم يحنون إلى زمن الاستبداد من غير أن يدركوا أنهم في الحقيقة يحنون إلى زمن، كانت النزاهة فيه ميزان الحكم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
المزيد

 
>>