First Published: 2016-08-04

خطبة دينية أم منهج سياسي؟

 

هل يكفي منهج توحيد الخطب الدينية وتنظيم ما يقوله حراس البوابات الاعلامية لتصحيح مسار الرأي العام؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

ردود الأفعال الكثيفة التي جلبها قرار وزير الأوقاف بتوحيد الخطبة الدينية يوم الجمعة، مثيرة ومتعددة ومتنوعة، وتحمل في طياتها ما هو أبعد من الضبط والربط ومنع الانفلات وتنوير الناس وتجديد الخطاب، إلى تحقيق أهداف سياسية، خاصة بمن وقفوا خلف هذا الاتجاه.

ربما يكون هناك كثيرون توقفوا عند جملة من المرامي المتعلقة بتحجيم نفوذ المتشددين، أو فرض القبضة القوية لأذرع وزارة الأوقاف وتقليص نفوذ الأزهر، أو حتى إشاعة المزيد من أجواء الاعتدال، لكن مهما كانت طبيعة الأهداف الظاهرة، فإنها حملت مضامين أبعد من ذلك، جعلت توجه الأوقاف يبدو كأنه منهج تتبناه الحكومة حاليا، ويميل نحو وقف التشتت، وإعلاء قيمة توحيد أو تجميع المتشابهات في بوتقة واحدة، في كل من له علاقة بالسيطرة على الرأي العام.

قبل أن تستعجل وتتهمني بالشطط، نناقش سويا بعض الملامح التي تعزز هذا الاستنتاج، من بينها أن الاعتراض الذي أبداه الأزهر ومؤيدوه حول توحيد خطبة الجمعة، لم يحرك ساكنا لدى الحكومة، ولم تستمع جيدا إلى الأضرار الناجمة عن هذه الخطوة، وسدت أذنيها على طريقة المثل الشعبي "ودن من طين وأخرى من عجين"، وهو ما منح قرار الأوقاف مناعة، بدت لكثيرين أن الوزارة لم تكن تجرؤ على اتخاذ هذا القرار ما لم تملك غطاء سياسيا قويا.

في حالات كثيرة أقل حدة، وأدنى صخبا، اضطرت الحكومة للتراجع ولم تعدم اختيار الحجج لتبرير تراجعها، لكن لأن قرار الأوقاف تمت دراسته بروية، وينطوي على أبعاد عميقة، تتجاوز الحدود التكتيكية التي توقف عندها البعض، كان هناك إصرار على تنفيذه، وتصميم على عدم الإنصات للانتقادات اللاذعة والموضوعية، والمضي قدما في طريق إحكام السيطرة على التوجهات العامة للجماهير.

التقدير الذي ذهب إلى أن توحيد الخطبة يعبر عن طبيعة الخط السياسي للحكومة أكثر من الرغبة في النقاء الديني، له جذور واضحة في مجال الإعلام، فالجهود التي تبذل لدمج بعض الكيانات والمؤسسات، وزيادة الاحتكارات الفردية، تؤكد هذا الاتجاه، كما أن المظلة التي يمثلها المجلس الوطني للإعلام والذي يشرف (بعد صدور القانون المنظم له) على الوسائل والعاملين في هذا الفضاء، تشير إلى أن توحيد المنابر والقنوات والمصادر والإشراف والسيطرة، عملية سوف تصبح منهجا أصيلا في الدولة المصرية.

إذا أضفنا المعلومات التي تتردد على نطاق واسع حول وقوف جهات رسمية خلف بعض الصفقات الإعلامية، وإنتاج بعض البرامج الفضائية، ناهيك عن التجهيز والإعداد لإطلاق شبكة تليفزيونية قريبا، فإن الشكل العام يوحي بأننا نسير في طريق محاصرة المصلين والمشاهدين، على أمل تجنيبهم التعرض لمصادر أخرى مناهضة، بمعنى العودة بالإعلام إلى وظيفته التقليدية، ليكون بثا من أعلى إلى أسفل دون تغذية مرتدة للجمهور، من أسفل إلى أعلى، وعندما يكون الخطيب أو مقدم/مقدمة البرنامج حارسا للبوابة باقتدار سوف تتضاعف المشكلة.

قد يحقق شيوع الاستعانة بحراس البوابات (خطباء وإعلاميون) جانبا من الأغراض السياسية التي حددها من وقفوا خلفهم، وقد ينجحوا في توصيل الرسائل المطلوبة لقطاع كبير من الجمهور، لكن عليهم أن يدركوا المخاطر الكثيرة التي يجلبها غلق باب الاجتهاد، بالنسبة لتوحيد الخطبة، ومنع التغذية المرتدة من جانب الجمهور، بذرائع متباينة، ربما تصل إلى حد التمسح بالدفاع عن الدولة الوطنية، والترويج لقيامهم بمحاربة من يريدوا هدمها. وتحت هذه النوعية من المزاعم والافتراءات يمكن ارتكاب مجموعة كبيرة من الجرائم والانتهاكات التي يحاسب عليها القانون.

هذه الحالة القاتمة، سوف تكون لها ارتدادات سلبية على أصحاب منهج سد المنافذ المقابلة، والتحكم في عقول الجماهير، ومن المتوقع أن تجبر البعض على رفض الاستماع للخطبة المكتوبة، خاصة إذا جرى نشر مضمونها قبل يوم الجمعة، أو تحدى بعض الخطباء قرار وزارة الأوقاف وتم اختيار موضوعات وقضايا مختلفة عما حددته، لمحاولة إظهار ضعف سيطرتها، وبالتالي هز هيبة الحكومة.

كما أن تطويق الإعلام وحجب الأصوات التي لا تتفق مع توجهات الحكومة، سوف يدفع إلى زيادة نسبة اللجوء إلى وسائل بديلة، مثل مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، والتي أصبحت تلعب دورا مهما في إثارة البلبلة وسط فئات المجتمع، وإيجاد أجواء تسمح بتقبل الشائعات التي تتهم الحكومة بالعجز وعدم القدرة على تحقيق طموحات البسطاء، وفي ظل القيود المفروضة للتحكم في المفاتيح الرئيسية للمواقع الاليكترونية، يمكن أن يحجم الجمهور عن مشاهدة القنوات التي تدور في فلك تمجيد وتضخيم إنجازات الحكومة العادية.

لذلك سوف يقود تعميم المنهج الواحد، سواء في خطبة الجمعة أو الإعلام، وغير مستبعد أن يمتد إلى مجالات أخرى، في السياسة والاقتصاد مثلا، إلى زيادة مساحة الانتقادات التي توجه للحكومة، وتكريس الانطباع بأنها تفتقر القدرة للاستماع إلى الأصوات المعارضة، ولن تتخلى عن صفة إلقاء الأوامر التي اعتادت عليها دون مناقشة، وهو ما يساهم في ترسيخ الانطباعات التي تتردد بشأن عدم استبعاد تضييق هامش الحريات، بما يؤدي في النهاية إلى سلسلة من الأزمات الداخلية والخارجية، لأن توصيل الرسائل من أعلى إلى أسفل فقط لن يقيم مجتمعا سويا.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>