First Published: 2016-08-07

الإسلام العربي في عنق زجاجة

 

الربط بين الإسلام العربي والعنف صار امرا بديهيا. صار متداولا بطريقة لا تقبل اللبس أن العرب هم الذين صدروا العنف الإسلامي. قول قاسٍ غير أنه لا يزور الواقع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لم يكن العرب المسلمون في حاجة إلى ظهور داعش ليعلنوا عن هزيمتهم أمام العالم. غير أن التنظيم الإرهابي وقد هزمهم في غير موقع حيوي فضح ما كانوا يحرصون على اخفائه من أسرار علاقتهم الملتبسة بالإسلام.

ولو لم يدخل الإيرانيون على خط الفتنة التي بدأت في سقيفة بني ساعدة ولو لم تورط وكالة الاستخبارات الأميركية العرب في حروب أفغانستان التي أنجبت حركة طالبان، لكانت الغصة التاريخية عربية خالصة.

نعم. الإسلام العربي ظل ممتنعا على محاولات عصرنته وانقاذه من جاهليته، وهي محاولات يذلها رواد التنوير العرب في القرن التاسع وبدايات القرن العشرين (الافغاني ومحمد عبده وعلي عبدالرازق وسواهم) من غير أن تذهب إلى هدفها في تحديث الخطاب الديني.

كانت لغة سيد قطب ممثلا للإخوان المسلمين هي الأقرب إلى مزاج الفتنة الذي تمكن من العرب في إسلامهم الذي نخرته دودة التفكير الطائفي والعنصري، بالرغم من أن جزءا من تاريخهم يقع في ما انطوت عليه أفكار رواد الفقه من حرية في تصريف شؤون العباد وفقا للنص المقدس.

لقد فتحت جماعة الاخوان المسلمين في مصر أبواب التكفير، بالرغم من أن هناك ظلالا من الشك في ما يتعلق بعلاقاتها السرية مع أجهزة مخابرات غربية، كانت ترى أن مستقبل المنطقة محكوم بمزاج الإسلام السياسي العنيف الذي كانت الجماعة تحمل لواءه.

مع جماعة الاخوان التي نشرت دعاتها في مختلف أنحاء العالم العربي تراجع دور الإسلام العربي (المعتدل) وهو الإسلام الشعبي الذي كانت مساحته تنحصر في العبادات تاركا للنخب السياسية الناشئة أمر تصريف شؤون المجتمع وفق قوانين وضعية.

في مقابل ذلك التراجع برز الإسلام السياسي بشقيه السني ممثلا بجماعة الاخوان المسلمين وكل ما تفرع منها من جماعات متشددة والشيعي ممثلا بحزب الدعوة الإسلامي الذي هو في حقيقته الفكرية ونهجه العملي الفرع الشيعي للجماعة المصرية.

وفي كل الحالات فإن الدعوة الدينية لم تكن إلا غطاء لطموح الاستيلاء على السلطة بحجة إزالة الحكومات الكافرة وإنشاء دولة العدل. وهي الفكرة التي سبقهم إليها الخميني ليقيم في إيران أول سلطة دينية شمولية في العصر الحديث.

ما خسره الإسلام العربي حين تخلى عن اعتداله العقائدي خسرته المجتمعات العربية حين سلمت قيادها لمن يرفع شعار "الإسلام دين ودنيا" وهو شعار سياسي بامتياز دعوته إلى احتواء الدولة والمجتمع في سلة عقائدية مغلقة على مرويات، كان الكثير منها ملفقا ومشكوكا فيه ولم يعد ذا قيمة إلا في حدود ما يعكسه من انحطاط في التفكير، هو ما نتج عن العصور المظلمة التي لا يصدق أحد أن العرب خرجوا منها سالمين.

وبسبب تمكن الجماعات المتطرفة الذي لم يقع إلا بسبب تراخي المجتمعات وضعفها وموقف المؤسسات الدينية المتردد في إدانة عقيدة تلك الجماعات فقد صار الربط بين الإسلام العربي والعنف امرا بديهيا. صار متداولا بطريقة لا تقبل اللبس أن العرب هم الذين صدروا العنف الإسلامي.

وهو قول فيه الكثير من القسوة، غير أنه لا يزور الواقع.

فهل شوه العرب المحدثون صورة الدين الذي سبق لأجدادهم أن حملوا أنواره إلى العالم؟ هناك خيانة للتاريخ مارستها الجماعات المتطرفة ألحقت الدمار بالمجتمعات العربية، بدءا من الإنسان الذي صار مقيدا إلى ما دموي، الإسلام منه براء وانتهاء بسمعة ذلك الإنسان الذي صار محل شبهات بسبب دينه.

ما دمره دعاة الإسلام السياسي من حياتنا لا يمكن تعويضه بيسر.

وما لم يُخرج العرب إسلامهم من عنق الزجاجة فإن حياتهم ستزداد كآبة وتعاسة. فالجماعات الإرهابية التي تمارس عنفها باسم الإسلام لن ترحمهم. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن العالم لن يكون مستعدا للقبول بهم شركاء في الحضارة الإنسانية ما داموا عاجزين عن تنقية عقيدتهم من الجراثيم التي فتكت بها.

من أجل أن ينتصروا لإنسانيتهم المغدورة يحتاج العرب إلى أن يعالجوا إسلامهم من أمراضه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>