First Published: 2016-08-07

إنسان آلي بهيئة صحافي

 

لا يكون الإنسان الآلي صحافيا إلا بحدود لا يمكن تخطيها، لأنه في كل الأحوال يستحيل عليه التعامل مع اللغة بوصفها كائنا حيّا ينمو ويتغيّر، وإعادة تشكيل العلائق بين الكلمات لا تتمّ ببرمجة آلية من أجل اكتشاف العمق الكامن فيها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عندما استضافت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية في مقرها على الضفة الجنوبية لنهر التايمز الروبوت بيبر في دعوة لمأدبة غداء، لم تكن هيئة تحرير الصحيفة المعتادة على الزوار المثيرين للإعجاب، تفكر إلا إنسانيا بهذا الزائر الذي وصلهم مغلفا، وليس للاستحواذ على مكاتبهم وإحالتهم على التقاعد!

الروبوت بيبر، يعتبر أحدث تكنولوجيا توصّل إليها العلم تحمل ما يشبه مواصفات البشر، ويتمتع بدرجة من الدعاية جعلته أكثر إنسان آلي معروف في العالم يهدف إلى مساعدة الناس في حياتهم اليومية، لكن أن تستقبل أكبر الصحف البريطانية روبوتا بكل هذا الودّ من دون أن تفكر إدارتها بأنه قادم من أجل إزاحتها، أمر يحتاج إلى تعليق عميق.

هذا ما حصل بالفعل عند صحف أميركية، بعد أسابيع من مأدبة الغداء في الصحيفة البريطانية التي شارك فيها بيبر من دون أن يتناول حبة بازلاء واحدة، فقد كان ضيفا من أجل محاكاة فكرة تقليد الغداء مع رفاقه من البشر ليروا بالضبط ما مدى “إنسانيته” ومدى الجانب الآلي الشبيه بالإنسان فيه.

لقد اتخذت روبوتات بمساعدة شركتي تويتر وفيسبوك، مكانا لم يكن مخصصا لها من قبل في تغطية المؤتمرات الانتخابية للحزبين الجمهوري والديمقراطي في ولايتي أوهايو وبنسلفانيا بالولايات المتحدة الأسبوع الماضي.

كانت تقوم بالمهمة التقليدية للصحافي في التقاط الزاوية الأهم في التصريحات لتعيد كتابتها، ومن ثم إعادة تحريرها من دون أن تغفل تداعيات الحدث وما يحيط به، لتكون القصة جاهزة بعدها للنشر في صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست.

لم يشعر القراء إن كان ما نشر قد كتبه إنسان أم إنسان آلي، وبالطبع لم يكن ما كتب قد مرّ من دون أن تراجعه عين بشرية خبيرة، فمهمة الروبوت الصحافية مازالت تحبو سواء في كتابة أو جمع الأخبار وتحريرها، الأمر الذي يفسر شكوى صحافيين تابعوا مؤتمر الحزب الجمهوري من عدم فهم روبوت خصصته قناة “سي أن أن” لطلباتهم، فيما اشتكى صحافيون من واشنطن بوست من أنهم قدموا طلبات إلى روبوت وتلقوا أجوبة عن أسئلة أخرى.

لا يكون الإنسان الآلي صحافيا إلا بحدود لا يمكن تخطيها، لأنه في كل الأحوال يستحيل عليه التعامل مع اللغة بوصفها كائنا حيّا ينمو ويتغيّر، وإعادة تشكيل العلائق بين الكلمات لا تتمّ ببرمجة آلية من أجل اكتشاف العمق الكامن فيها.

مثل هذا الكلام وجد له معهد بوينتر للصحافة تبريرا معقولا حول مهمة الروبوت في كتابة الأخبار بأن الهدف هو “تعديل النصوص المكتوبة لتناسب معايير الكتابة الصحافية، لأن العمل الصحافي يحتاج إلى السرعة والدقة والمعلومات الصادقة”.

فهل نحن حقا على استعداد للعيش مع الروبوتات؟ وإذا كنا كذلك، أي نوع من التعايش، الجواب بالنسبة للصحافيين لا يكون إيقاف مسيرة الروبوتات. في الواقع، التكنولوجيا تعتبر جزءا من الحل، وهي تجربة حية أغدقت على البشرية، لكن علينا ألّا نهمل التفكير في كيف نجعل منها خارطة للطريق وليس الطريق بحدّ ذاته.

يطلق أندرو هيل من صحيفة فاينانشال تايمز مثل هذا السؤال ويقترح الإجابة بوصفه صحافيا، عما إذا كانت كبرى الشركات في المستقبل قادرة على تحقيق هذا المستوى من الحكمة عندما تتولى الآلات المهام التي تسمح لها ببناء وصقل خبرات العاملين.

لنأخذ الصحافة المالية مثالا، يقول هيل “قضيت ثلاث سنوات في بناء الثقة والمهارات متدربا عن طريق تحليل الأخبار عن أرباح الشركات. هذا هو بالضبط نوع التقارير الذي تقوم أسوشيتد برس بإنتاجه الآن تلقائيا، في شراكة مع شركة تدعى البصائر الآلية، على نحو مشؤوم بالنسبة لجميع الصحافيين”.

يقترح أندرو هيل في مثل هذا الكلام أن يؤتى بأذكى إنسان آلي ليرى بعدها إن كان ما تنتجه تكنولوجيا “البصائر الآلية” يرقى إلى ما كتبه في تحليل الأخبار.

ويمكن مثلا استعادة عرض لكتاب أنجزته فرجينيا وولف قبل تسعين عاما في صحيفة التايمز، مع عرض لكتاب جديد سينشر لاحقا ببصمات الروبوت، في هذه الحالة التاريخ ليس ميتا أمام التكنولوجيا. فأي حديث عن المستقبل الذي تهيمن فيه الآلة على مختلف المهن يكون ذا معنى عندما يكون الجمهور في حالة من الاسترخاء الواضح بعد الإحساس بأن ثمة فكرة في ما أنتج آليا.

مع ذلك يقرّ المتحدثون الذين يستشرفون المستقبل بأن أعدادا قليلة من المحامين، أو المستشارين، أو المحاسبين الضالعين “لايذكرون الصحافيين في العادة” هم من ستكون هناك حاجة إليهم عندما تستولي أنظمة الكمبيوتر والإنسان الآلي على الكثير من المهام.

مثل هذا الكلام اتفق عليه الأب والابن ريتشارد ودانيال سسكيند مؤلفا كتاب “مستقبل المهن”، لكنهما لم يتحدثا عن الروبوت كصحافي، فيما تجربة تغطية مؤتمري الحزبين الأميركيين الأسبوع الماضي أجابت على جزء من السؤال.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>