First Published: 2016-08-07

حذار من القادم!

 

خريف العراق السياسي الذي يمر به منذ سنوات هو ربيع اعدائه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: زيد الحلي

في مقال سابق نشرته في 19 آذار/مارس الماضي، حذرتُ من تداعيات حالة القلق الشعبي المجتمعي الذي يعيشه العراقيون عقب كل ازمة طارئة او حدث تسببه نزاعات السياسيين من خلال تصريحاتهم، في كل ساعة ودقيقة، وفي كل اتجاه حتى اصبحت مثل زجاجة تطايرت ذراتها لتصيب الوجدان والعنفوان والنفوس. وقد حظي المقال المذكور الذي حمل عنوان "شعب العراق.. رقيق عنيف" بمتابعات ملموسة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فيما "غلّست" عنه الحكومة والكتل السياسية والنواب باستمرارهم في إيذاء المواطن نفسيا. ولعل حالة الارتباك والقلق التي تسود الشارع العراقي حاليا بسبب ما آلت اليه مسببات وخلفيات تصريحات وزير الدفاع عند استجوابه في مجلس النواب في اول الشهر الحالي، خير دليل على ذلك.

هل ادرك المسؤولون في الحكومة والدولة ومجلس النواب اخطار القلق الذي انتاب المواطن، ولا زال، وتأثيره على العائلة والدائرة والطفولة؟ بكل صدقية اقول: ان المجتمع في واد ومن بيدهم الامر في واد آخر. ولم ينتبه احد الى درجة الغليان المتصاعدة الذي سيعقبه يوما ما، وفي لحظة غير مرتقبة انفجارات تصيب الجميع في مقتل.

ان اضطرابات مثل حجم الاتهامات التي يتبادلها السياسيون دون خجل على الملأ، ومعارك بأسلحة تصل حد استخدام الهاونات والرشاشات بين العشائر يذهب ضحيتها عراقيون من هذه العشيرة او تلك لأسباب تنم عن تخلف وأمية، وعودة "الفصلية" بينها التي تدفع ثمنها نساء العشائر ذاتها، وملاحقات وتهديدات للأطباء نتيجة قيامهم بأعمالهم الانسانية وظاهرة الخطف والقتل التي تعرضها شاشات التلفزيون مثل التي حدثت مؤخرا في منطقة زيونة ببغداد حيث اقدم شاب ادمن على المخدرات على قتل ابيه طمعا بالحصول على المال لشراء سموم المخدرات، وايضا ازياد حجم الانتحار بين صفوف الشباب، والسطو المسلح على المحلات والبيوت ومحلات الصيرفة والبنوك، مثل هذه الاحداث على ماذا تدل؟

في غبش كل صباح، يصطدم المواطن بما يواجه من اختناقات مرورية وقطوعات غير معلنة للشوارع، ويستمع من الاذاعات الى تعليقات وسجالات بين تيارات إسلامية تنافس اخرى علمانية، وقومية تكفر يسارية وفيدرالية تحارب من يتمسك بالمركزية الخ؟ إنها بذور استنبتت للفوضى الخلاقة التي جاء بها المحتل، حتى اصبح تغييب المواطنة الصادقة يشكل جزءاً من هذه الفوضى "الخلاقة"!

خريفنا السياسي الذي نمر به منذ سنوات، هو ربيع عدونا. فالخطر لا يهددنا من الخارج فحسب ولكنه من داخلنا، لأن عدونا الخارجي نعلمه ولكننا لا نعلم من هو عدونا من ابناء وطننا!

بماذا نسمي الفوضى التي نشاهدها يوميا، (آخرها عودة العمل بقرار "الفردي والزوجي" بالنسبة للمركبات ثم الغاء ذات القرار بعد 24 ساعة) وكذلك الهمجية التي نراها في معاملات وتصرفات اصحاب بعض المهن مثل السائقين ومحصلي الضرائب وغيرهم. علينا الاعتراف بشجاعة بأننا لازلنا نغرق بالظلام وبالمطبات وبالحفر. والقادم اسوأ كما تنبئ الاحداث، لأن كل ذاكرة لدينا لا زالت تؤسس نفسها على قيم التخلف، وهي ذاكرة عدمية. وكل حضارة أصابتها العدمية غير قادرة على التشريع للمستقبل دون التحرر من الإدمان على العدم!

اشعر اننا نعيش حاضرا مخيفا، حيث نشغل الناس دوما بقضايا تافهة، ونبتكر لهم باستمرار ما يلهيهم عن التفكير في قضاياهم الحقيقية، ونخلق أشكالا من الفوضى لإثارة ردود أفعال معينة، ونفجر أزمات أمنية او اقتصادية او اجتماعية، ثم نطرح حلولا يتنازل الناس بموجبها عن حرياتهم وحقوقهم.

لستُ تشاؤمياً لكني ادرك ان الوضع العام لدينا مقلق، بل غير مسبوق هذه الأيام، واجد ان لا مكان للصراعات الداخلية في هذا المناخ السياسي الممتلئ حقداً وغضباً محموماً يحمل السم الزعاف. ان الغضب نار تحرق العقل والبدن وتصيبه بالأمراض، والتحكم في الغضب من الأمور بالغة الأهمية لكي ينجح الإنسان في حياته، ولذلك لابد أن نقاوم الضغوط بالصبر، ونتجاهل الحاقدين. فطوبى للذين يصنعون فرحهم بعد الكدر والألم.

 

زيد الحلي

 
زيد الحلي
 
أرشيف الكاتب
خدعونا بقولهم: الإنسان كائن اجتماعي
2017-07-17
سؤال عراقي: من يسمع.. من يرى؟
2017-05-22
كذّابون.. وكاذبون!
2017-05-07
فتنة الحوارات العراقية والاتجاه المعاكس
2017-03-26
سكة التوقف مستمرة في شارع الصحافة العراقية
2017-03-19
قراران عراقيان مضحكان، مبكيان!
2017-03-06
العراق الجديد... سطور لا أنصح بقراءتها!
2017-02-26
جقماقجي وجه بغداد.. ودمعة منثالة!
2017-02-12
بغداد وصرخة كتومة من كولبنكيان!
2017-02-08
ملتقى الاعلام الاقتصادي... اول مؤتمر من نوعه في العراق
2017-01-26
المزيد

 
>>