First Published: 2016-08-09

نحو إفساد عقول الشباب بالفلسفة

 

ضحكت من كانط الذي ظننته منظما ويعرف ما يفعل، حين لاحظت بأن ممارسة التفكير تتطلب اختصار الحياة الشخصية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

منذ زمن بعيد كنت أتساءل؛ لماذا عمانوئيل كانط عاش حياته كلها ضمن نمط واحد؟ يفيق في الصباح وفي يده كتاب لأفلاطون أو أحد القدماء، يتناول غداءه في وقت محدد، ويتمشى بوقت معين ويتأمل، كل يوم يشبه الذي قبله طوال حياته.

لماذا لا يذهب الى الشاطئ؟ لماذا لا يراسل النساء، أو يقوم بمغامرة ما في البحر؟ لماذا لا يتزوج ويطلق ويغضب ويبكي؟ لماذا لا يذهب الى الحانة ويسكر ويتشاجر ليعود بوجه متورم الى البيت؟ لماذا لا يذهب الى المقهى ويتحاور أو يمارس السياسة؟ لماذا هذا الرجل يعاني من هذا التكرار الحجري لأيامه؟

لقد اكتشفت بأن هذه هي ضريبة الفلسفة. عليك أن تبسط حياتك الى أقصى ما تستطيع، أن تجعل منها حياة بلا أحداث، أن تكون غير موجود فلا شيء يحدث. عليك قتل الشخص الموجود بداخلك، وبعدها تحول كل الأحداث الى عقلك. كل العواصف والأفكار والتأملات تكون هناك في صدرك. لكي تمشي في العقل يجب أن تتوقف الحياة.

ضحكت من كانط الذي ظننته منظما ويعرف ما يفعل، حين لاحظت بأن ممارسة التفكير تتطلب اختصار الحياة الشخصية، أن تجعلها بسيطة ومكررة وخالية من المفاجآت والأحداث. الوقائع الوحيدة في حياتك هي أفكارك، وهذا يعيدنا الى فكرة الرهبنة والأديرة القديمة، لكي تكون كاهنا عليك أن تعتكف في الدير، فلا يجتمع الله والمرأة والعمل والصخب في قلب واحد. هذا صحيح جدا، الكتاب هم رهبان في أديرة يطلقون عليها بيوتا، هامشيون يتلصصون على البشر والعالم.

مصادفة عجيبة السيد ريك الكندي العجوز هذا الصباح يقول لي في المقهى ألا تحب الحياة؟ اذهب الى الشاطئ واجلب معك فتاة جميلة قبل أن تشيخ وتصبح عجوزاً مثلي، والبيرة على حسابي تحرك، ماذا تفعل بهذه الكتب الحمقاء؟ قلت له أحتاج الى وقت للقراءة والكثير من الوقت للتأمل والقليل من الوقت للكتابة، لكن أحيانا حين اكتب شيئا مؤثرا، أقع ضحيته وأتوجع يا ريك، فالكتابة تؤذي صاحبها اكثر من القارئ.

الحياة بالنسبة للكاتب ليست هدفا، فعليه أن يتذوق القليل من كل شيء بدافع المعرفة. القليل من الحب والقليل من الأبوة. القليل من الفقر والقليل من الغنى، القليل من الوطن والقليل من الغربة، القليل من الصداقة والقربى والخوف. كل هذه الأشياء ليست هدفا، إنه يتصرف كإنسان، ليتمكن فيما بعد من الكتابة عن الانسان.

الهدف من انغماسه في الحياة هو العزلة في النهاية لأنه لا يمكنك قول شيء مختلف عن كل الناس، الا اذا كانت حياتك مختلفة عنهم، وهذا هو الثمن الفادح. ربما الكاتب كائن غير اجتماعي، حتى سارتر الذي يدعي غير ذلك فهو مدين للمعتقلات النازية والأسر والشعور بالخطر لولادته كفيلسوف، هناك كتب "الوجود والعدم".

كل علاقة انسانية هي تشويش فلسفي، كل شخص يدعي صداقتك ومحبتك يفرض عليك فلسفته بعنف. كل انسان مهما كان غير متعلم وجاهلا، هو حامل لفلسفة معينة ويصر على التبشير بها. انه لا يكف عن الثرثرة وتصدير أفكار هشة يحاول تشويش بها على حريتك. وربما لهذا السبب خنق الفيلسوف الفرنسي ألتوسير زوجته لأنها لا تكف عن الكلام كما قال، وحولوه الى مصح عقلي حتى مات.

المتفلسف وحيد في النهاية، السيدة أليزابيث أخت الفيلسوف الألماني نيتشه وجدت فرصة للتعبير عن حقدها، حين أصيب أخوها بالجنون، فقد عبثت بكتبه، وكانت تتلقى المال مقابل إلقاء نظرة عليه وهو جاحظ العينين، بل قدمت عصاه الى هتلر مدعية أن أخاها قد بشر بقدوم الفوهرر السوبرمان.

سقراط الذي كانت زوجته تطارده وتضربه وتشتمه كان مغرما بالمشي والحوار مع الشباب. ما هي التهمة التي أُعدم بسببها هذا المسكين؟ التهمة كانت "افساد عقول الشباب بالفلسفة". كثيرون يستغربون من هذه التهمة، لأنهم في الحقيقة لم يتعرفوا بعد على كاتب قادر على افساد عقولهم حقا.

 

أسعد البصري

الاسم Gold skay
الدولة العراق

كل ما يتعرض له الكاتب هي ضريبه يدفعها من حياته العامه والخاصة ثمن فكر ونهج الكاتب وهذه الضريبه جدا غالية

2016-08-09

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
المزيد

 
>>