First Published: 2016-08-09

الهواتف لن تحسن مزاجنا

 

لم تتقدم حكمة بقدر الحكمة التي يقدمها الصمت، هذا ما قاله الحكماء منذ الأزل ولم يستطع الفلاسفة إلا الثناء عليه، ويصعب على الإنسان البالغ تعلم الصمت أكثر من الصعوبة التي يواجهها الطفل في تعلم الكلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بدا الخبر الذي استند إلى دراسة أشبه بفخ، يقبل أي مصدر إعلامي أن يقع فيه وينقله مع شعور بالإنجاز، لأنه ببساطة ينسب إلى باحثين في جامعة بازل السويسرية، وزملاء لهم من جامعات في ألمانيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، من يقدر ألا يصدق مثل أولئك الباحثين، لأن أول ما سيتبادر إلى الذهن لا دافع تجاريا وراء نتائج دراستهم المثيرة!

ببساطة توصل هؤلاء الباحثون إلى نتيجة ملتبسة حد الاستغراب العميق ولا يوجد منطق متعقل يمكن له أن يتقبلها، فمن يمكن له أن يتقبل فكرة أن الهواتف تحسن مزاج الناس!

هذا ما توصلت له الدراسة التي قادها علماء جامعة بازل السويسرية ونشرتها مجلة (Frontiers in Psychology)، وتناقلتها تقارير صحافية. فالتمارين التي لجأ إليها الباحثون مع 27 شابا من الأصحاء عبر الهواتف الذكية، ساهمت في تحسين مزاجهم بشكل فوري، خلال فترة الدراسة التي استمرت لمدة أسبوعين.

لا يمكن لعاقل أن يدعي أن الثرثرة تحسن المزاج، ولا تسبب الصداع، وأن من يتكلم بشكل دائم معرض أكثر من غيره إلى الخطأ وإزعاج الآخرين وجعلهم يسيئون الظن به وتفسير كلامه وفق ما يرتأون.

إذا كان هذا التفسير التاريخي المتفق عليه نسبيا عن الكلام، فإنه سيصبح أكثر سوءا عندما يتحول إلى الحديث عبر الهاتف، ستغيب ملامح الوجه والتعبيرات التي ينقلها، ويسوء معها تفسير الكلام.

حسنا، لكن الهواتف الذكية ليست للكلام وحده، مثل هذا الرأي لا يمكن أن يدافع عن فكرة أن القراءة ومشاهدة الفيديوهات وتحميل الصور والرسائل مبعث سعادة دائما، إنها منهكة ومتعبة للعين ومرهقة للأعصاب عندما تكتب بعجالة وحينما لا تنجح في الإرسال.

فما مبعث تحسين المزاج الذي توصل إليه الباحثون السويسريون عاليو الجناب!

لم تتقدم حكمة بقدر الحكمة التي يقدمها الصمت، هذا ما قاله الحكماء منذ الأزل ولم يستطع الفلاسفة إلا الثناء عليه، فالكل يستطيع الكلام، لكن الإنسان بحاجة إلى وقت وذهن نير من أجل أن يتعلم الصمت، ويصعب على الإنسان البالغ تعلم الصمت أكثر من الصعوبة التي يواجهها الطفل في تعلم الكلام.

والهواتف أيها السادة الباحثون في جامعة بازل المرموقة لم تعلمنا حكمة الصمت، فصارت الأجيال المعاصرة تستخدمها أداة للثرثرة، لأنها ببساطة وفرت لها مثل تلك الفرصة.

والهواتف الذكية جعلتنا أشبه بإنسان آلي تحركه مغريات الصورة والموسيقى وينقاد إليها غير عابئ بالآخرين المحيطين به وإن كانوا أقرب الناس إليه.

فكرة الهاتف ملتبسة بشكل مثير، فبقدر ما سهلت على الإنسان جوانب كثيرة في حياته ووفرت عليه الجهد، كانت أشبه بفخ نقدم للوقوع فيه برضانا من دون تذمر من وقع السقوط فيه، فكيف يتسنى لها تحسين مزاجنا؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم متابع
الدولة لندن

كرم نعمة دائما مزاجه لن يتحسن

2016-08-09

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
المزيد

 
>>