First Published: 2016-08-10

متى نخرج من البئر؟

 

افضل ما نقدمه للمتطرفين هو حيرتنا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

مَن القانا في البئر المهجورة؟

إنه سؤال قديم يتجدد مع الحكاية الدينية. يوسف وأخوته. لذلك نحن ننتظر من يخرجنا من البئر كما أخرج يوسف الصديق من قبل. ولأننا نعرف أن الصدفة التي أنقذت يوسف قد لا تتكرر فقد صار لزاما علينا أن نستغيث بمَن أسقطنا في البئر، فهو الوحيد الذي يعرف أننا لا نزال هناك.

هناك وضع ميؤوس منه صرنا نعيشه مضطرين.

فلا أحد في إمكانه أن يتخيل أننا سنتمكن من تسلق جدران البئر ونخرج إلى العالم بقوتنا الذاتية. أين تكمن تلك القوة وقد تربينا على ثقافة ريعية، جعلت منا كائنات استهلاكية بعد أن غدرنا بإرث أجدادنا وآبائنا المزارعين والرعاة والصيادين العظام. أيُعقل أن تتمكن كائنات كسولة مثلنا من الخروج من البئر الذي وقعت فيه؟

لن يحدث ذلك إلا بمعجزة.

أما الواقع فإنه يقول "العراق وسوريا واليمن وليبيا دول قُدر لها أن تذهب إلى العدم. صارت تلك الدول بحكم الواقع دولا مؤجلة. قد تبقى إلى أجل غير معلوم مجرد كيانات جغرافية معترفا بها سياسيا على المستوى الدولي، غير أنها فقدت صلاحية أن تكون أوطانا، وهو ما يعني أن غيبوبتها ستطول".

يتحدث البعض عن مئة سنة، نحتاجها لكي تستعيد تلك الدول عافيتها. ويتفاءل البعض الآخر بخمسين سنة. وهو حديث افتراضي لا علاقة له بالعلم ولا بالعقل. لذلك سيكون حديث الخرافة هو الحل المثالي. لقد نجا يوسف من ظلمة بئره عن طريق الصدفة ولا شيء سينقذ تلك البلدان من الظلمة التي انتهت إليها سوى الصدفة. أبهذه الطريقة تدير الشعوب الحية شؤونها وتتمكن من صنع مصائرها؟

أعتقد أننا عن طريق الانتظار نخون مبادئ الخلق الأولى. لقد خُلق الإنسان ليكون وارثا للأرض، مؤتمنا عليها. ساعدته أبجديته التي اخترعها من موسيقى صوته ليكون الكائن الأرقى فمشى على قدمين من كلمات.

لا تزال اللغة هي مقياس التحضر.

هناك دوزنة للغة في إمكانها أن ترقى بنا إلى مستوى الكائنات الحية التي يليق بها أن تكون حاضرة في كل اللحظات التي تشف عن الوجود الإنساني.

ولكننا لا نملك ما يؤهلنا للاتصال بلغتنا. بمعنى أننا لا نعرف ما نريد. لا نعرف ما يجب علينا معرفته. لقد تركنا خياراتنا كلها في أيد، لم تكن شديدة الثقة بالحياة بمعناها المعاصر وهو ما يعني أننا سنظل مخطوفين. رهائن عصر لم نعشه.

لا يعدنا الإسلام السياسي بالخروج من تلك البئر المهجورة إلا حين تحل لساعة. وهو أمر مرهون بالغيب. لذلك فإن الخمسين سنة لن تكون سوى زمن افتراضي، سيكون علينا أن نعيشه في انتظار لحظة الخلاص التي قد لا تأتي.

ألا يعني كل ذلك أن العالم العربي صار أشبه بالمتاهة التي أغلقت دروبها؟

كل ما يقوله المتأسلمون عن حلولهم السحرية لن ينفع في شيء. بل على العكس من ذلك تماما. فالظلمة التي تحيطنا صارت تتسلل إلى أرواحنا. هناك اليوم في العالم العربي ملايين من البشر الذين ضللوا وصار الذهاب إلى مزيد من العتمة غايتهم التي يسعون من أجل الوصول بنا إليها.

وإذا ما كان البعض يأمل في أن تمتد إلينا يد غريبة لتخرجنا من البئر كما حدث ليوسف فإن ذلك البعض يلعب دورا هو أكثر سوءا من الدور الذي يلعبه المتطرفون الذين يلذ لهم أن يرونا حائرين، هائمين ومكبلين بخرافة تطلعنا إلى عالم الغيب الذي هو ليس من اختصاص الإنسان.

لا ينقص العرب الاعتراف بأنهم يعيشون أوضاعا رثة. ينقصهم الإيمان بحقهم في أن يستعيدوا إنسانيتهم. تنقصهم الثقة بإرادتهم الذاتية التي لا تقوم على أساس كراهية العالم الذي نبذنا بسبب سوء سلوكنا. يحتاج العربي إلى أن يمد يده إلى العالم عن طريق العلم والمعرفة والنوايا الصادقة والفكر السليم والشعور بالمسؤولية والأخوة النبيلة لكي تمتد إليه اليد التي تنتشله من ظلمات البئر.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
المزيد

 
>>