First Published: 2016-08-11

مصر المتشائمة

 

لا يكفي مهاجمة مجلة غربية تنشر موضوعا عن مصر. مهاجمتها غير الرد عليها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الناظر إلى أحوال مصر، يحتار في تقدير حالتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حيث يجد انقساما لافتا بين رؤيتين، إحداهما طموحة ومتفائلة وواعدة، وأخرى متشائمة وغامضة وغاضبة، وحسب الزاوية التي تنظر منها الجهة أو الشخص، يمكن تحديد النتيجة.

ربما تكون الحالة المعنوية والمادية لها علاقة بالرؤية، فإذا كان الشخص متشائما فلن يرى غير السواد، وقد يكون متفائلا ويراها أيضا قاتمة. لذلك يفضل أن نستبعد الموقف المبدئي، ونتحدث عن واقع ملموس لنا جميعا، واقع أشمل وأعم، وله علاقة بمصر كما يراها معظم المسؤولين، وكما تراها جهات خارجية كثيرة.

إذا كانت رؤية فريق المسئولين ومن لف لفهم من سياسيين وإعلاميين، تغلب عليها العناصر الإيجابية، وهي معروفة أسبابها ودوافعها، فإن رؤية الفريق الخارجي أصبحت عصية على فهم كثيرين، لأنها تنطوي على ملامح ومكونات لا ترى أفقا جيدا لمصر، وتعتقد لن تقوم لها قائمة مرة أخرى.

الغريب أن هذه النظرة لا تقتصر على دوائر سياسية أو إعلامية لها مواقف تستهدف النظام، بل تجاوزت هذا النطاق التقليدي، وشملت أشخاصا يذوبون في عشق مصر، ويعرفون قدرها، ومكنتهم المعيشة في الخارج من رؤية أشياء قد لا يراها غيرهم في الداخل، وعندما تدخل في حوار مع أحدهم لا تشعر بخلاف بين من يقيم في الخليج ومن يعيش في الغرب، فالكل ترسخت لديهم قناعات أن الأفق مسدود.

الحملة التي شنتها مجلة الايكونوميست وغيرها من وسائل الإعلام الغربية على مصر مؤخرا، ولدت انطباعات أنها منظمة، وتقف خلفها عناصر مشبوهة، وترمي إلى الشوشرة على إنجازات النظام الحاكم والنيل منه. ربما يكون ذلك صحيحا، لكنه ليس كل الحكاية، فمن السهل أن تجد كثيرين ممن يؤيدون الرئيس عبدالفتاح السيسي يتملكهم شعور بعدم الثقة في المستقبل، وتمنوا أن يقدم الرئيس على خطوات تصحيحية كبيرة، يعيد بها من انصرفوا بعيدا.

شعور التشاؤم الذي تحرص على إشاعته جهات وقوى متعددة، معلومة ومجهولة، لم يخرج من العدم، وله ما يعززه من حجج وأسانيد في الواقع، تتمثل في تصاعد حدة المشكلات والعجز عن حلها على مستويات متباينة، الأمر الذي يعطي الحملات التي توجه لمصر قدرا من المصداقية، فهناك أخطاء متكررة في قضايا حيوية، يحتاج التعامل معها درجة عالية من الخبرة والحنكة والقدرة على مخاطبة الرأي العام الدولي، ومحاولة التأثير عليه بالأساليب والأدوات التي يعرفها ويفهمها.

فما جدوى أن تقوم، وسائل إعلام محلية، مرئية ومسموعة ومكتوبة، بالهجوم على الايكونوميست دون تفنيد حججها؟ وما معنى أن ينتفض مقدمو البرامج في الفضائيات المصرية ليلعنوا هذه المجلة، ويذكروا محاسن الحكومة المصرية؟ وما قيمة أن تنفي وتشجب وتدين هذه التصرفات، ولم تفكر لحظة في الرد على الانتقادات والمغالطات بصورة علمية؟ وهل عجزنا تماما عن إيجاد وسائل بديلة لدحض الافتراءات؟ ولماذا لا نعير اهتماما لما يقال من معلومات واجتهادات بشأن بعض الأزمات، ولا نحاول تصحيحها فتنتشر كالنار في الهشيم؟

الأسئلة التي تتردد كثيرة، لكن الطريقة التي يتم التعامل بها ساذجة وقليلة الحيلة، وتفتح أبوابا مختلفة لدخول العفاريت والشياطين، للتأثير على عقول وقلوب المصريين. فإذا كانت هناك وسائل إعلامية تعمل ليلا ونهارا للتشكيك في الترتيبات والخطوات والإجراءات الحالية، والتقليل من قيمة الإنجازات، فما الذي يمنع من الرد عليها، بما يتناسب معها؟

الإجابة الوحيدة التي تتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى، أن بها نسبة من الصواب ليست هينة، وأن الردود عليها تفتقر إلى المنطق لكشف زيفها، ولم نعد نملك من الأدوات ما يعين على التشكيك في أسانيدها، ولا توجد جهة محددة منوط بها القيام بهذه المهمة الشاقة.

تداخل الأدوار وتنوع التوجهات وفقدان البوصلة في التصورات، جعل مصر تخسر الكثير من الجولات مبكرا. فالخصوم المتناثرون عرفوا أداء الدولة العقيم، وحفظوا المفاتيح الرئيسية العاجزة، وخبروا آليات التفكير الجانحة عند المسؤولين فيها، وأصبحوا يترقبوا الأخطاء الساذجة، وأجادوا توظيفها بصورة جيدة، وهو ما ساهم في نجاح تسويق المعلومات المغلوطة، وتقبل كثيرين لها، كما أن التحركات البطيئة تجعل عملية الرد على الهواجس التي تتناثر في مجالات عديدة غاية في الصعوبة.

عندما قام المتحدث باسم وزرة الخارجية بالرد على انتقادات مجلة الايكونوميست، جاء رده متأخرا بعض الشيء، وعلى الموقع الرسمي لوزارته، ما نزع عنه جزءا من الدسم السياسي الذي حمله، فقد كان الأولى به أو غيره الرد في اليوم نفسه، أو على الأقل في اليوم التالي للنشر، خاصة أن الموضوع جرى التنويه له على الموقع الاليكتروني قبل صدور العدد، وسبقه رسما للكاريكاتير لا يقل خطورة، يشي بأن هناك تضييقا فاضحا للحريات وخنقا للإعلام في مصر.

التشاؤم الذي أقصده لا يأتي من تراكم الأزمات وصعوبة حلها، لكنه من الأدوات الفقيرة التي يتم التعامل بها، وتجعل من إمكانية تجاوز المشكلات عملية معقدة، لأنها تحتاج إلى وضوح في الرؤية وإخلاص في النوايا، وقدرة على ابتكار حلول خلاقة، فالانغلاق الذي يخيم على مناحي كثيرة ربما يجعل من التفاؤل حلما بعيد المنال.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>