First Published: 2016-08-14

المفقودون في العراق ومزاج المجتمع الدولي

 

كوارث صغيرة تتراكم في العراق في بلد اعتاد على الكوارث الكبيرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ليس من باب سوء الظن القول إن الحكومة العراقية ليست غير قادرة على حماية الشعب الذي قُدر له أن يكون تحت سلطنها حسب، بل هي أيضا غير راغبة في القيام بذلك أصلا. وهو ما يكشف عنه السلوك المراوغ للحكومة في مواجهة الازمات الإنسانية التي هي عبارة عن كوارث (صغيرة) تضرب الشعب بين حين وآخر.

مقتل عشرات الأشخاص وحرق أطفال رضع واختطاف واختفاء المئات من البشر، كل هذا يعتبر كوارث صغيرة في بلد صار معتادا على أن تضربه الكوارث الكبيرة كالحرب الأهلية وتنظيم داعش ونزوح الملايين وتهجيرها من مدنها وقراها والفساد الذي أدى بدولة ثرية إلى الإفلاس وسواها من المنجزات التي وسمت تاريخ العراق المعاصر بدموية رعاته المنتخَبين.

غير ان ما توصف بالكارثة الصغيرة في العراق هي في حقيقتها جريمة ضد الإنسانية وفق توصيف القانون الدولي. ما تؤكده تقارير المنظمات الدولية وشهادات السكان المحليين أن العراقيين يتعرضون ومنذ أكثر من عشر سنوات إلى الاختفاء القسري. وهناك مَن يؤكد أن الحكومة متورطة من خلال أجهزتها الطائفية في اعمال إجرامية وقع ضحيتها الالاف ممن سعت إلى اعتقالهم من غير ان توجه لهم اتهامات محددة.

وإذا ما كانت القوات الأميركية في سنوات الاحتلال المباشر قد عثرت بالصدفة على عشرات السجون السرية التي تُدار من قبل أجهزة حكومية وتُمارس فيها شتى صنوف التعذيب لأسباب طائفية فإن انسحاب تلك القوات قد أدى إلى اتساع نطاق تلك السجون، في ظل انتشار ظاهرة السجون التابعة للميليشيات، وهو ما اعترف به غير واحد من امراء تلك الميليشيات.

كان المفقودون واحدا من أكثر الغاز الحرب العراقية ــ الإيرانية في الثمانينات مدعاة للحيرة والاستفهام المغلف بغصة الألم. هناك مَن يقول إن الميت أفضل حالا بالنسبة لذويه من المفقود. فالأمل الذي يتشبه بالوهم هو بمثابة خزان للدموع.

يوم كانت تلك الحرب قائمة كان الضياع ممكنا. وهو ضياع يقع بين الموت والخيانة المتصلة بالخوف. لذلك كان الأمل الذي تنطوي عليه صفة "مفقود" تحمل بين طياتها الكثير من الذعر والريبة والرغبة في أن يكون الموت هو الحل.

اليوم يختفي العراقيون، من غير أن يتركوا أثرا يدل عليهم، في ظل غياب السلطة التي تقتفي أثرهم لتصل إليهم، بل تعمل تلك السلطة على إخفاء أثرهم من خلال إنكار وجودهم أصلا. جزء كبير من المجتمع العراقي يتولى هو الآخر مهمة ذلك الإنكار. هناك مَن يتواطأ من أجل ان تكون الجريمة كاملة.

منذ أن بدأت عمليات تحرير المدن العراقية المنكوبة من احتلال داعش اختفى الالاف من شباب تلك المدن التي استبيحت بشهادة العالم ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن معرفة تفاصيل ما جرى على الأرض. وكما يبدو فإن المجتمع الدولي الذي لم تصدمه تلك الوقائع المفزعة صار يصنف النكبات العراقية وفق المزاج العراقي المنافق.

لهذا لم يزعج المجتمع الدولي نفسه في النظر إلى تلك المأساة. هناك بشر يجري اخفاؤهم، لا لشيء إلا لأنهم يتبعون مذهبا دينيا لا ترضى عنه السلطة الحاكمة بأذرعها الميليشياوية الملطخة بدماء الأبرياء. وهو ما يعني أن هناك حربا طائفية، تجري في الخفاء، يقع ضحيتها الضعفاء، ممَن لا حماية لهم سوى الدولة.

فماذا يقع لأولئك الضعفاء حين تكون الدولة متآمرة عليهم؟

في حالة من ذلك النوع ينبغي أن يقوم المجتمع الدولي بواجباته في سياق قوانينه لكي يبسط حمايته على بشر، لم يعد في إمكانهم حماية أنفسهم في الوقت الذي خانت الدولة المكلفة بحمايتهم وظيفتها حين وضعت إمكانياتها في خدمة قطاع الطرق.

ما يجب أن يعرفه المجتمع الدولي أن هناك جريمة منظمة تقع في العراق، مادتها المخطوفون الذين ستنتهي بهم الحال إلى أن يكونوا مجرد أرقام ساقطة من التعداد السكاني. لذلك فإن الحماية الدولية هي ما يحتاجه العراقيون اليوم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>