First Published: 2016-08-14

التلفزيون العربي يتمدد ويتراجع

 

لم يحدث في أي من التلفزيونات العربية أن أدين متحدث أو مقدم برامج، لأنه مس الوعي والحس الاجتماعي، مع أن الهراء السياسي والديني يتدفق علينا بشكل مخيف.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا تبدو مشكلة التلفزيون، وهو يعيش ثورته الرقمية في صناعة المادة التلفزيونية بالعدسات المتحركة وخارج أستوديوهات البث، بل المشكلة تكمن هناك، نعم، في أستوديو البث وفي من يتحدث أمام الكاميرات ومن تمت استضافته للتحدث.

إذ لا تبدو فكرة أن لا أحد يوظّف المهندس المعماري الذي ينهار منزله، قائمة دائما لدى مدراء التلفزيونات العربية وهم يقابلون المتقدمين للعمل كمقدمي برامج حوارية وإخبارية. تتراجع شروط الخبرة والثقافة كلما تعلق الأمر بقبول راتب أوطأ. وهكذا يقدم الطرفان على القبول، فيما يتزايد استياء المشاهد من نتائج ذلك العقد المبرم.

التقرير السنوي حول البث الفضائي العربي الذي أصدره اتحاد إذاعات الدول العربية، كشف عن وجود 1230 قناة فضائية عربية حتى نهاية العام 2015.

وببساطة يمكن تصور أن وقت البث في تلك القنوات أكبر من أن تغطيه المادة المصنّعة والمشتراة، لذلك تشغل البرامج الحوارية والتعليقات السياسية مساحة لا يمكن الاستغناء عنها، الأمر الذي يعرضها إلى إبداء الخسائر في الأفكار وطريقة تقديم الحوار للجمهور.

من يدير الحوار وضيفه، سببا تلك الخسائر المستمرة، ولأنه لا يمكن تكرار نفس الوجوه، اضطرت القنوات التلفزيونية للاستعانة بدرجات أوطأ من المحللين، ولأن التجديد مطلوب، تمت الاستعانة بعدد من عديمي الخبرة والتجربة في إدارة حوارات أكبر من وعيهم وقدرتهم على قراءة الحدث وفهم تداعياته.

فالذين يظهرون على التلفزيون ويزعجون الناس لا يتحدثون بكلام سطحي ومكرر فقط، بل يطلقون كلاما لا يستطيعون الدفاع عنه. وليس أولئك الذين يظهرون في أوقات مختلفة وحدهم، بل أكثر الذين يظهرون بشكل دائم لا يحملون أي فكرة تكون قادرة على “إغواء” المشاهدين المشدودين إلى هذا الجهاز العجيب.

التلفزيون لم يعد كما كان خيارا وحيدا بل صار أكثر من تلفزيون في وقت واحد، أما الذين يتحدثون على شاشته فهم الخيار الأسوأ، ومن سوء الحظ أننا لا نملك إلا التعرف على سطحية ما يتكلمون عنه.

الشخص الذي يُزعم أنه لا يشاهد التلفزيون، مثل الذي يظهر مرة على الشاشة ويمشي مختالا في الشوارع على افتراض أن كل الناس باتوا من السهولة عليهم التعرف عليه، فالأول يكشف عن غرور لا يعتد به الآخرون، والثاني يظهر لديه وهم المعرفة الضئيلة.

التلفزيون بات غريزة قائمة لدى الإنسان المعاصر، لذلك فإن الذين يظهرون على شاشته بحاجة إلى امتلاك وعي وأفكار ومعلومات صحيحة تؤهلهم لهذا الظهور. فلم يعد مجرد الظهور على الشاشة ميزة كما كان في عقود سابقة.

المشكلة مزدوجة في التلفزيون اليوم، فلا الذين يديرون البرامج ولا الضيوف، يصلون إلى توق المشاهدين بسبب الأفكار السطحية والتكرار واستغفال وعي الجمهور. لم يحدث في أي من التلفزيونات العربية أن أدين متحدث أو مقدم برامج، لأنه مس الوعي والحس الاجتماعي، مع أن الهراء السياسي والديني يتدفق علينا بشكل مخيف.

في الانتخابات الرئاسية المصرية قبل سنوات صوّرت غالبية المتحدثين على القنوات الفضائية المشهد بنوع من الدراما الهندية، بطريقة هزلية وبحس شعبي يفتقد لذكاء اللغة العربية، وبقدر ما أثاروا التهكم، سببوا الإزعاج، ولم يصنعوا رأيا.

مثل هذا الأمر يتكرر اليوم مع المتحدثين ومقدمي البرامج السياسية حول الحرب في العراق وسوريا، فلا المحاورون على درجة من الذكاء كي يحتفظوا بـ”طائفيتهم” من دون أن تنبعث رائحتها مع الأسئلة التي يطلقونها، ولا الضيوف على درجة من رباطة الجأش كي نعتد كمشاهدين بكلامهم.

وهذا ما حدث بالفعل بعد احتلال داعش لمدينة الموصل عندما ارتكب محاور تلفزيوني في قناة عراقية، ما يوصف بأنه أسوأ ما في الخلط الشنيع بين الديني والإعلامي، وهو يجري حوارا مع عسكري مهزوم، مبتهجا ومتحمسا بأنهما معا المُحاوِر والمُحاوَر تحت القَسَم في محاولة لدفع مصداقية ما ينقله للجمهور، عبر الرادع الديني.

الجمهور لا يحتاج القَسَم الديني بوصفه حدا رادعا وصادقا لإيصال الأفكار والمعلومات، وإنما يتوق ويثق بالتعامل العقلي مع تفكيره بصفة الإعلام شاهدا مستقلا، ومانعا للفساد وتغوّل الحكومات. ومن المؤسف أن التلفزيون العربي يتمدد بنفس القدر الذي يتراجع فيه عن إشاعة القيم وتنظيم المجتمع بديمقراطية صالحة.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>