First Published: 2016-08-15

ليس الحل في السماء

 

لا فرق بين عقلية القذافي وعقلية المالكي. انها عقلية من يرى الناس كجرذان أو فئران اختبار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين وصف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي المحتجين من الشعب الليبي على حكمه بالجرذان كان في وضع رث يستدعي الشفقة. فالرجل الذي كان دائما موضع شك من جهة سلامته العقلية بسبب انفصاله عن العالم المعاصر والمجتمع المتمدن كان يومها مصدوما بجحود شعبه الذي ثار عليه، لذلك وجد أن من حقه أن يطلق للسانه العنان. لم يقل يومها إلا ما كان يفكر فيه دائما.

ومع ذلك فإن انزلاق القذافي إلى الهجاء البذيء كشف عن مدى احتقاره للشعب.

بعد سنوات سيلجأ نوري المالكي في العراق إلى قتل خمسين متظاهرا سلميا في بلدة تقع شمال العراق اسمها الحويجة. تدور الآن معارك لتحريرها من احتلال التنظيم الإرهابي داعش واعادتها إلى حضن الوطن الحنون.

كان القذافي يريد ليبيا حتى وإن خلت من الليبيين. غير أن التخلص من الليبيين واستبدالهم بسواهم لم يكن بالأمر السهل. اما المالكي ولأن مصير العراق لا يهمه فقد اهتدى إلى طريقة، يتم من خلالها التخلص من ازعاجات ذلك الجزء المنتفض من الشعب بعد أن اكتشف أن مقتل خمسين منهم لا يحل المشكلة. وتم له ما أراد حين ظهر تنظيم داعش فجأة، قوة إقليمية يمكنها بضربة قدم واحدة أن تحتل ثلث أراضي العراق وهو ما وضع مناهضي المالكي وحكومته في قبضته.

لا تهم هنا معرفة الجهة التي أشارت على المالكي بتسليم الجزء "السني" من العراق إلى داعش. المهم أنه فعلها. ومثلما فتكت إيران بالعراقيين بطريقة تعجز القوات الأميركية عن القيام بها فإن داعش دمر سبل العيش في ذلك الجزء من العراق بطريقة تعجز الميليشيات الشيعية عن القيام بها.

لقد تعامل المالكي مع سنة العراق باعتبارهم فئران تجارب في المختبر الداعشي.

أعرف أن ليس من الانصاف عقد مقارنة بين المالكي والقذافي. فالأخير كان وطنيا، حين يتعلق الأمر بليبيا. أما الأول فلا شيء يعنيه من أمر العراق. ولو أن القذافي أُتيحت له فرصة الاستعانة بتنظيم إرهابي ضد شعبه، لما فعل.

ما يجمع بين الرجلين طريقتهما في النظر إلى أفراد الشعب باعتبارهم كائنات لا ترقى إلى مستوى الإنسان. وهو كما أرى تحول خطير في مفهوم الحكم (على مستوى علاقة الحاكم بالمحكوم) يتحمل الشعب جزءا من مسؤوليته.

حين قتل المالكي خمسين متظاهرا بريئا ظل الشعب صامتا.

كان القذافي عبر سنوات حكمه الأربعين قد أنهى كل معالم الدولة في ظل صمت شعبي مهين. بل كان الشعب الليبي يساهم أحيانا في مسرحيات القذافي الهزلية التي كان الغرض منها الاستثمار في تدمير مفهوم الدولة لدى الأجيال الصاعدة.

في الحالين وفي حالات عربية أخرى كان الشعب مشاركا بقوة في مسألة تغييبه الذي سمح للحاكم أن يفصل الدولة على مقاسه الشخصي. هل كان الحاكم ممتنا لشعب ارتضى بأن يُقاد بطريقة لا إنسانية؟

أعتقد أن قراءة تلك الواقعة المأساوية ينبغي ألا تتخذ طابعا أخلاقيا. بالرغم من أن هجاء الشعب من قبل القذافي والمالكي يكشف عن تدن أخلاقي واضح.

فالمسألة سياسية بالأساس وما نتج عنها من مشكلات هي مشكلات سياسية. وهو ما لم تترب عليه شعوبنا بسبب ضعف الوعي الإنساني وتدهور القيم السياسية وعدم الاستقرار الاجتماعي.

لقد انساقت شعوبنا بسبب ظرفها التاريخي المعقد إلى الثقة بالتغيير الذي يقع في رأس السلطة. وهو تغيير تم عن طريق الانقلاب العسكري (في حالة القذافي) أو عن طريق موالاة المحتل الأجنبي والتعاون معه (في حالة المالكي).

وليس من باب الشماتة القول إن ما فعلته شعوبنا بنفسها في الأرض لن تصلحه السماء. فما لم تستعد تلك الشعوب ثقتها بقدرتها على صناعة التغيير الذي ينهض بمصيرها فإنها ستكون معرضة إلى أن تفقد إنسانيتها لتكون مجرد فئران تجارب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
الربيع العربي بنسخته القطرية
2017-07-10
المزيد

 
>>