First Published: 2016-08-15

تقاسم للنفوذ في سوريا... قبل تقسيمها

 

ثمة تموضع لأربع قوى في سوريا: تركيا وروسيا وايران وإسرائيل. بقاء الأسد قضية هامشية في اطار هذا التموضع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ما الذي يدور في سوريا، على ارض سوريا، تحديدا، والمناطق المحيطة بها وفي العواصم المهتمة مباشرة بهذا البلد وبمصيره؟ اختلطت الاوراق الى درجة يصعب الإجابة عن أي سؤال في شأن سوريا باستثناء ان هناك سباقا على حجز مناطق نفوذ في البلد في ضوء الغياب الاميركي وغياب القدرة على تقسيم الأرض السورية، اقلّه في المدى المنظور.

يمكن ان يأتي التقسيم لاحقا. امّا الآن، فكل طرف يحاول ضمان منطقة نفوذ له في انتظار الإدارة الاميركية الجديدة التي ستقرّر هل سيكون لها دور في سوريا ام لا؟ هل تلتزم هيلاري كلينتون التي ستخلف باراك أوباما، على الأرجح، سياسة الانكفاء ام تتبع سياسة جديدة من منطلق ان القضاء على "داعش" يتطلب، قبل ايّ شيء، التخلص من عرّاب الإرهاب في المنطقة، أي النظام السوري والميليشيات المذهبية التابعة لإيران بجنسياتها المختلفة في الوقت ذاته؟

بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لموسكو ومحادثاته مع الرئيس فلاديمير بوتين، دخلت ايران على الخطّ. لم يعد لدى طهران من خيار غير التقارب مع انقرة. في مؤتمره الصحافي الذي عقده في العاصمة التركية، راح وزير الخارجية الايراني محمّد جواد ظريف يتغزّل بتركيا وبما يجمع بين بلده وهذا البلد. ذهب بعيدا في الغزل وفي مديح رجب طيب اردوغان. لم يكن ينقص سوى تبني ايران عملية افشال المحاولة الانقلابية التي استهدفت الرئيس التركي منتصف الشهر الماضي.

كان المديح الذي كاله ظريف لاردوغان بمثابة تسخيف لبشّار الأسد وموقفه من الرئيس التركي ولكل ما صدر وما زال يصدر عن الأدوات الايرانية في لبنان من نوع الميليشيا المذهبية المسمّاة "حزب الله". تبيّن في نهاية المطاف ان لإيران حساباتها السورية التي لا تتفق بالضرورة مع حسابات بشّار الأسد، إضافة الى ان الأدوات الايرانية في لبنان والعراق التي تستخدم لدعم رئيس النظام السوري تبقى ادوات ليس مطلوبا منها سوى تنفيذ الاوامر التي تصدر من طهران من دون سؤال او جواب ومن دون سؤال، حتّى، عن الثمن المطلوب دفعه.

جاءت زيارة وزير الخارجية الايراني لانقرة بعيد عودة الرئيس التركي من موسكو حيث التقى فلاديمير بوتين. لا يزال من الباكر الحديث عن النتائج التي اسفرت عنها الزيارة في شأن كلّ ما يتعلّق بسوريا. لكنّ الثابت انّ هناك اتفاقات اقتصادية ذات حجم كبير امكن التوصل اليها في اثناء الزيارة ومراعاة للموقف التركي من كلّ ما له علاقة بالاكراد، خصوصا في سوريا.

تجاوز البلدان لاسباب اقتصادية كلّ أزمات الماضي وفتحا صفحة جديدة في العلاقات بينهما. بقيت المسألة المرتبطة بمستقبل بشّار الأسد عالقة. تعرف روسيا، قبل غيرها، ان لا شرعية من أي نوع لهذا النظام المنبثق أصلا عن انقلاب عسكري وعن استيلاء حزب البعث على السلطة في الطريق الى إقامة النظام العلوي في عهد حافظ الأسد، ثم نظام الاسرة العلوية المرتبطة ارتباطا وثيقا بإيران في عهد بشّار الأسد. بكلام أوضح، تعتقد روسيا انّ أوان قبض ثمن رأس بشّار الأسد لم يحن بعد وان هذا الثمن يتجاوز تركيا، اذ ثمّة حاجة الى صفقات من نوع آخر مع دول عربية خليجية تعتبر ان لا حلّ في سوريا من دون الانتهاء من النظام ورموزه على رأسهم الأسد الابن.

لم يذهب اردوغان الى سانت بطرسبرغ للقاء بوتين من موقع ضعف. صحيح انّه منهك على الصعيد الداخلي في ظلّ المعركة التي يخوضها، كاحد زعماء تنظيم الاخوان المسلمين، مع الدولة العميقة في تركيا التي ترمز اليها المؤسسة العسكرية ومع جماعة فتح الله غولن، لكن الصحيح أيضا ان بوتين رجل منهك أيضا. اكتشف الرئيس الروسي ان معركة حلب ليست نزهة كما تتصوّر ايران وميليشياتها والنظام السوري الذي يقاتل عن طريق "الشبيحة" الى جانب هذه الميليشيات. إضافة الى ذلك، ان الاقتصاد الروسي في حال يرثى لها وهو في حاجة الى الاوكسيجين التركي بالمقدار الذي تحتاج فيه تركيا الى الاوكسيجين الروسي، خصوصا في ظل التدهور في العلاقات بين انقرة من جهة والعواصم الاوروبية المهمة والإدارة الاميركية من جهة اخرى.

كان حصول التقارب الروسي ـ التركي طبيعيا، كذلك التقارب الايراني ـ التركي الذي يفرضه العامل الكردي. ايران تخشى اكرادها، وهي نفّذت حملة اعدامات في حقّهم قبل ايّام قليلة، فيما تركيا تعيش هاجس الدولة الكردية المستقلّة التي لا تبدو اميركا بعيدة عنها كمشروع يندرج في سياق إعادة رسم خريطة الشرق الاوسط.

المفارقة ان ايران تتقرّب من تركيا التي تعمل على إعادة التطبيع الكامل للعلاقة مع إسرائيل، كما انّ سعيها الى التنسيق مع روسيا في سوريا يأتي في وقت هناك تنسيق كامل روسي ـ إسرائيلي في مجالات عدة من بينها سوريا طبعا.

هناك باختصار اربع دول معنية بسوريا اخذت لنفسها مواقع فيها. كلّ من هذه الدول تعمل على طريقتها وبما يخدم مصالحها.

كان هناك في مرحلة معيّنة استخفاف بتركيا وباوراقها السورية. جاء فك الحصار عن قسم من حلب ليؤكّد ان هذا الاستخفاف ليس في محلّه وان حلب قضية حياة او موت بالنسبة الى رجب طيب اردوغان ومؤيديه. لو سقطت حلب، لكان سقط اردوغان. ما فشلت في تحقيقه المحاولة الانقلابية كانت ستنجح في تحقيقه حلب، في حال سقوطها. في المقابل، ان بقاء المدينة في يد الثوار لا يعني ان على بشّار مغادرة دمشق غدا. يستطيع البقاء اسير العاصمة ما دامت روسيا وايران على استعداد لحمايته وما دامت إسرائيل لا تعترض على ذلك باي شكل من الاشكال.

هناك باختصار تموضع لاربع قوى في سوريا. هذه القوى هي تركيا وروسيا وايران وإسرائيل. كلّ قوة من هذه القوى الأربع صارت تمتلك منطقة نفوذ في سوريا وذلك بعدما اكّدت تركيا ان سقوط حلب ليس مسموحا به.

ما الذي سيحصل في عهد الإدارة الاميركية الجديدة؟ الأكيد ان تغييرا ما سيحصل على الصعيد الاميركي. ما ليس أكيدا وواضحا هو حجم هذا التغيير، لكنّ الثابت ان روسيا قبلت أخيرا بان عليها التعاطي مع تركيا في سوريا وتجاوز مسألة الاصرار التركي على رحيل الأسد الابن. كذلك الامر بالنسبة الى ايران التي باتت تعرف ان هناك خطوطا لا تستطيع تجاهلها في سوريا، خصوصا في ظلّ العلاقة العميقة الموجودة بين فلاديمير بوتين وبنيامين نتانياهو.

من هذا المنطلق، يمكن الحديث في المرحلة الراهنة عن تقاسم للنفوذ في سوريا تمهيدا لتقسيم سوريا في يوم من الايّام. قد يحدث ذلك، كما قد لا يحدث. الكثير سيتوقف على موقف الإدارة الأميركية الجديدة ونوع الدور الذي ستقرر لعبه في الشرق الاوسط الذي يشهد حاليا، عبر ما يجري على ارض سوريا ووسط وقوف العالم المتحضر موقف المتفرّج، اكبر مآسي القرن الواحد والعشرين وأكثرها ايلاما.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السعودية تستعيد روح المبادرة
2017-06-22
'يوم خطف القدس'
2017-06-21
ملك عصري يستضيف رئيسا عصريا
2017-06-19
للمرّة الثالثة... قرار خليجي بأخذ المبادرة
2017-06-18
من هزيمة 67... الى نكبتي غزّة و'الحشد الشعبي'
2017-06-16
بحث عن فلسطين من بكفيا!
2017-06-14
أمور غير مفهومة في بريطانيا
2017-06-12
لم تدرك قطر ان اللعبة تغيرت
2017-06-11
عندما ترتدّ لعبة تصدير الإرهاب على ايران
2017-06-09
بريطانيا تحتاج الى نقد للذات
2017-06-07
المزيد

 
>>