First Published: 2016-08-16

قلبي على روما

 

روما بالنسبة للجهلة المتشددين هي نهاية العالم وفتحها هو الوعد بالنصر المبين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

روما اليوم ليست عاصمة امبراطورية. ذهب الرومان إلى المتحف وصارت عاصمتهم متحفا في الهواء الطلق. عصفت بها المافيات القادمة من صقلية وجعل منها فليني خلفية لأفلامه وعاث بها سلفيو برلسكوني فسادا.

بين عواصم الغرب لا قيمة واقعية لروما التي قيل إن كل الدروب تؤدي إليها.

يوما ما كانت روما عاصمة العالم. مثلما حدث ذلك لبابل. أكان على امبراطور اليابان أن لا يصدق أنه ابن السماء فيستقيل من منصبه بسبب عجزه عن أداء وظيفته بعد أن كبر في السن؟

لقد تبدل الزمن. روما لم تعد روما. غير ان هناك من المسلمين مَن لا يصدق ذلك، مسترشدا بالآيات القرآنية من سورة الروم "غلبت الروم. في ادنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون".

روما التي لم تعد روما يمر بها السائحون اليوم باعتبارها مقبرة لعالم لن يُستعاد. عالم امبراطوري، يوم كان للامبراطوريات معنى صلبا.

اليوم ليس هناك في روما ما يشير إلى بقايا امبراطورية. هي مجرد مدينة أثرية للفرجة والسياحة والتعلم. وإذا ما كانت روما بالنسبة لروسيليني في فيلمه الشهير مدينة مفتوحة فإن أحدا من المتطرفين المسلمين لا يصدق ذلك. الحديث عن فتح روما يتكرر في أدبيات الجماعات الإسلامية المتشددة.

وقد يقول قائل إن المسألة لا تتجاوز قيمتها الرمزية. فروما هي المجاز التي يتم من خلاله اختزال العالم الغربي كله. روما المعنية في الخطاب العقائدي المتشدد ليست عاصمة إيطاليا الحالية، بل هي كل مكان، يلحقه المتشددون ببلاد الكفر.

وهو تفسير يضفي الكثير من المعرفة والفهم على عقل ثأري، غير قادر أصلا على الانسجام مع ما شهده العالم الغربي من تغيرات جذرية منذ سقوط روما ونهاية الإمبراطورية الرومانية وحتى يومنا هذا.

القيمة الرمزية لروما موجودة في ذلك العقل التبسيطي، ولكنها قيمة لا تغادر اسيجة المدينة القديمة إلى مطاراتها المفتوحة على العالم. روما بالنسبة للجهلة المتشددين هي نهاية العالم وفتحها هو الوعد بالنصر المبين.

تلك هي حقيقة الغصة التي يختنقون بها وهم ينقلون الآيات القرآنية من محلها المجازي جزءا من نص أدبي ليكسبوها كثافة النص التاريخي بحمولة دينية ثقيلة.

في حقيقة الامر فإن الجهلة وبسبب انفصالهم عن الواقع لا يرون مكانا أبعد من روما. العالم كله هناك. وهو عالم معاد، يستحق أن يُهدم من أجل أن يتحقق ذلك الوعد. لكن في طريق ذلك لهدف فإن الكثير من الخراب ينبغي أن يقع.

ما من طريق تقود إلى روما إلا إذا حل الخراب بعالم الناس البسطاء الذين قُدر لهم أن يقعوا بين أيدي المضلَلين بفتح روما. هذه هي الخلاصة التي يستخرجها المرء من النظر إلى عقود من الشقاء، عاشها أولئك الناس في جحيم التطرف.

قد لا يعرف أهل روما شيئا عن المكيدة التي تُدبر لمدينتهم. فهم يعيشون حياة طبيعية، غير مقدرين حجم الكارثة التي ضربت أمما ومحت مدنا من أجل أن تفتح الأشباح الشريرة أبواب مدينتهم. ولو أنهم سمعوا أنباء تلك الكارثة لفتحوا أبواب مدينتهم غير مضطرين، مرحبين بالغزاة الذين ستضيع آثارهم بين أفواج السائحين.

فروما لا تفكر إلا في زيادة عدد زائريها. وهي غير معنية بعقائد أولئك الزائرين، بقدر ما تفكر بجيوبهم. ولأنها تعرف أن كل شيء فيها لا يلهم المرح، فإنها تسعى إلى أن تخفف من كآبة أحجارها البيضاء بالإيحاء بلحاقها بالغرب الذي لم يكن شيئا لولاها.

روما التي تبحث لها عن مقعد صغير في وليمة أثرياء الغرب لا يمكنها أن تفهم لمَ اختارها المتطرفون هدفا خياليا لثأرهم الذي صارت تدفع ثمنه ملايين الأبرياء في الأراضي البعيدة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
بسلطة القانون تُنتهك الطفولة في العراق
2017-11-05
المزيد

 
>>