First Published: 2016-08-17

النُّخبة الحائرة بين الدِّين والدولة!

 

التنوير يسود بجهد الملك والمثقف معا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

كانت ندوة موسم أصيلة، لهذا العام (24-25 يوليو 2016)، «النُّخب العربية والإسلامية.. الدين والدولة»، تتويجاً لندوات الموسم السابقة، مثل «الإسلام السياسي»، و«العرب نكون أو لا نكون»، ومع ظهور تغيرات سريعة بين موسم وآخر، عصية على التحليل والتوقع، لكن يبقى موضوع العلاقة بين الدين والدولة هو القديم الجديد، ولمواسم قادمة، متجسداً في النزاع الفكري والسياسي المتواصل بين قوى اتخذت من الدين شعاراً، وما يتبع ذلك من مواجهات مذهبية وصلت حد الدم، وقوى تنزع إلى فصل الدين عن السياسة، كي لا يتحول إلى أداة تخدم المتنفذين من الجماعات الدينية دون غيرهم. لخص الشاعر تلك الظاهرة مبكراً، يوم احتج المتزمتون ضد فتح مدرسة للبنات: «فما كان هذا الدين، لولا ادّعاؤهم/لِتمتاز في أحكامه الطبقاتُ/ وما الدِّينُ إلَا آلةٌ يَشهِرونها/إلى غَرضٍ يقضونه، وأداةُ» (الجواهري، الرجعيون 1929).

حُصر مصطلح النخبة، قديماً، بـ«أهل الحل والعقد»، ونُضيف أهل السلطة والمؤثرين عموماً، وربما كان بينهم شاعر مغيب. فعلى سبيل المثال، بَدل أبو نُخيلة السَّعدي (قُتل 145هـ) وجهة الخلافة العباسية بأرجوزة، سمعها أبو جعفر المنصور (ت 158هـ)، فأبعد بأثرها عيسى بن موسى (ت 182هـ) عن ولاية العهد، لتستمر بين الآباء والأبناء (البغدادي، خزانة الأدب).

غير أن مفهوم النخبة في عصرنا، يكاد يُحصر بالمثقفين، وفعلاً هذا ما أُستشف من محاور ندوة أصيلة المذكورة، ومعلوم أن معنى النُّخبة لغةً واصطلاحاً «الأخيار»، نُخبة أصحابه أي أخيارهم، و«الانتخاب: الانتزاع والاختيار» (الجوهري، الصحاح). أُغفل هذا المعنى، وفي ذلك شيء من الغرور لدى أهل الثقافة، كأنهم وحدهم المؤثرون، لذا كثر الكلام عن عدم استجابة الناس للنخبة، بينما كان ومازال لكل فئة نُخبتها. فبمجرد امتلاك فضائية يتابعها الملايين يصبح خطيبها من النخبة المؤثرة، بغض النظر عما يقدمه للمجتمع، علماً كان أم شعوذةً.

إن تأثير العلم والثقافة الحضارية عملية معقدة، تحتاج إلى وقت وظروف كي تأتي ثمارها، بينما تعطي ثقافة الجهل ثمرتها سريعاً، ولنا تمثيل بطءَ تأثير التنوير بالنخيل، يزرعه الأجداد ويقطفه الأحفاد. قيل أنشد سيبويه (ت 180هـ): «حثيثاً يروي أُصول النَّخي/ل فعاش الفسيلُ ومات الرَّجل» (الأنباري، نزهة الألباء).

لم تبق النُّخبة واحدة. ماذا تقول لملايين ينتخبون جاهلاً يحكمهم، ولملايين يتبعون مشعوذاً، فهذا بالنسبة لهم يُشكل نخبة. كان ذلك نتاج ديمقراطية حرق المراحل، التي بشرت بها النخبة المثقفة، دون الاعتبار بزراعة النخلة، جذور ضاربة في عمق الأرض وقوام فارع في الفضاء، أسفر ذلك عن ديمقراطية ذات أنياب أكثر وحشية من الدكتاتورية. فماذا تفعل النخبة المثقفة مع مئات الميليشيات (ديمقراطية) التي يأتمر صبيانها بشخص يُكفر مَن يشاء! مزهواً بالملايين التي تنصت إليه؟!

نرى بلداناً أخذت تملكتها عصابات دينية لا تعرف معنى النظام، تتحرك وفق إرشادات زعاماتها، ولا قيمة للوطنية عندها. بالنسبة لهم هذا هو النظام وهذه هي الدولة، التي أقاموها عبر ديمقراطية الإغراء بالمال والدين المسلح، ومن حقهم الاعتقاد بأنه انتصار إسلامي، لأنهم أقاموا دولة الله وهم وكلاؤه، بالحاكمية المباشرة أو نيابة الإمام بولاية الفقيه، والنتائج مدمرة.

تحاول النخبة الدينية السياسية الحفاظ على الفوضى، بخلق الأزمات وتسميم الأجواء، فبهذه الحال فقط تستطيع البقاء مؤثرة على الجمهور الغارق في الجهل، أي ضمان الطائعين المبهورين بالتدين الزائف، فاعتبروا انتصار هذا الجهل، وبصلافة، انتصاراً لنهجهم الإسلامي، غافلين عظمة الفساد، ودمار المدن، ومسخ الطفولة، حتى صار الانتماء لميليشيا خيراً من الالتحاق بالمدرسة، والعذر أنه الرزق السريع، وضمان الجنة في القتل المقدس.

غاب هذا المشهد المريع من مداولات ندوة أصيلة «النُّخبة العربية والإسلامية..». كيف تُواجَه تلك النخبة المدمرة، وأي السبل لإنقاذ الطفولة والشباب من مخالبها. إنها تجربة ليست فريدة، بل مرت فيها شعوب أوروبا، وبأكثر عنفاً ومضاضة، وخرجت متعافية. هنا أُلخص كتاباً جديراً بالقراءة: «تاريخ التسامح في عصر الإصلاح» (1200 صفحة، لجوزيف لوكلير)، بالعبارة: «ساد التنوير بجهد المثقف والملك معاً». فالأول يكشف ويحرض ضد الظلام، والثاني يصدر القوانين التي تلجم الفوضى والجهل. أكد مؤلف الكتاب، في أغلب فصوله، ما جاء في تراثنا: «الناس على دِين ملوكهم» (الفخري، في الآداب السُّلطانية).

غير أن في ظروفنا تشابك الدين بالسياسة، على مدى تاريخ الخلافة والسلطنات، ومازال يشبكهما الإسلام السياسي عنوةً. والواقع أن الدين سلطة الله والدولة سلطة الرجال.. وذلك وفق الحديث التالي، الذي ليس من الموضوعات ولا المنسوخات: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (صحيح مسلم)، وفي رواية: «إِنْ كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ»(الباجي، المنتقى شرح الموطأ). أقول: ألا تدخل الدولة في كلمة «شأنكم»؟!

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
الاختراعات والاكتشافات.. فضحتنا!
2017-04-19
14 عاماً والانتقام يكوي الضُّلوع!
2017-04-12
تونس.. للتنوير أساس ودعاة
2017-04-05
الإسلاميون.. صادروا الشُّهداء أيضاً!
2017-03-29
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
المزيد

 
>>