First Published: 2016-08-17

حررونا من الديمقراطية

 

السبب الحقيقي من وراء كوارث المنطقة الحالية يكمن في الفوضى التي عبأها الغرب في أكياس الديمقراطية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

منذ سنة 2003 ابتلي العالم العربي بالديمقراطية. كان العراق هو الفريسة الأولى. العراق الديمقراطي فقد كل ما يملك من ملامح تمت إلى شخصيته التاريخية بصلة. عراق اليوم دولة مؤجلة، معلقة بين طريقين ينافسان في السوء.

اما الفوضى الشاملة أو استبداد الأحزاب الدينية الشمولية.

العودة إلى الوعد الأميركي لا تنفع العراقيين في شيء. مما فعلته الولايات المتحدة يمكن اختزاله بعبارة واحدة "لقد هشمت دولة اسمها العراق فلم يعد شعب تلك الدولة السابقة قادرا على لم شتاتها".

وهو الواقع نفسه الذي تعيشه ليبيا.

وهو ما ينتظر سوريا، بعد أن يختفي الغزاة الأجانب، حاملين معهم ذكريات حروبهم على أرض الياسمين اليتيم.

كانت الكذبة دائما أكبر من أن تُخفى. فلم تكن تلك البلدان قريبة من الامل الديمقراطي حين انزلقت بها الحافات إلى هاوية سحيقة من الفوضى. كان العدم وحده في انتظارها. وهو ما كان القائمون على إدارة الأنظمة السابقة يعرفونه جيدا. وهو ما يعرفه السياسيون المعارضون الذين غامروا بسمعتهم الأخلاقية حين ارتبطوا بمشاريع القوى الكبرى على أمل استخراج الحقيقة من الوهم.

وهو أمل سلم مستقبل الشعوب إلى السراب.

لا يكفي أن نقول "الديمقراطية ليست لنا" للتراجع عما جرى ويجري. فما من شيء يمكن استعادته. كانت هناك بقيا من حياة فقدناها إلى الأبد. الانتهازيون بنفاقهم السياسي وحدهم يمكن أن يستمروا في هذا الرهان الخاسر الذي تدفع الشعوب كل لحظة ثمنه الباهظ.

إنهم يقولون "تستحق الديمقراطية كل هذه التضحيات" وهي فكرة يروج لها اللصوص وقطاع الطرق والأفاقون وصناع وخدم ماكنات الفساد الكبرى. في الوقت الذي تزداد الشعوب جهلا وفقرا ومرضا وخنوعا وتخلفا وتعصبا وانغلاقا.

وهو ما لا يستوي مع الحقيقة.

فلا ديمقراطية مع الفقر والحرمان والجهل والعبودية.

الوعد بالديمقراطية خرب حياتنا. فكرة بلهاء أن يعقد المرء مقارنة بين ما كنا فيه قبل الديمقراطية وما صرنا إليه بعدها. فالماضي انتهى إلى غير رجعة. غير ان ما لا يمكن التغاضي عنه أن الناس في العالم العربي صارت تحن إلى زمن الاستبداد. أحدث ذلك بسبب جرعة الديمقراطية الزائدة التي تسببت في موت المريض؟

هناك مجتمعات مريضة بعد أن ماتت دولها بسبب الديمقراطية، حتى يمكن القول "سعيدة تلك الدول المستقرة التي لم تصلها عدوى الديمقراطية".

ولكن مهلا. علينا أن نسأل أولا "مَن أفسد الآخر في العالم العربي. الديمقراطية أم المجتمعات التي فقدت القدرة على التنفس بعد أن عصفت بها الديمقراطية الأميركية؟"

سيُقال دائما "إننا شعوب غير ناضجة لتقبل التحول الديمقراطي والتعامل إيجابيا مع متطلباته التي قد تكون قاسية بعض الشيء، حين تفرض الأغلبية ارادتها. وهو قول صحيح. لولا أن أحدا من المنادين بالديمقراطية بتكليف أميركي لم يتحقق جيدا من الأدوات التي فرضت من خلالها تلك الديمقراطية.

تلك الأدوات كالاحتلال الأميركي للعراق مثلا لا تمت للديمقراطية بصلة. فكيف يمكن أن تفقس بيضة النسر عن حمامة؟ لا يجهل صناع القرار في الولايات المتحدة ذلك. الشعب العراقي هو الذي ضلل نفسه، حين صار أفراده يعدون أصابعهم وهم يرددون "احتلال، تحرير. احتلال، تحرير" إلى ما لا نهاية إلى أن انقطعت أنفاسهم بسبب الغبار الأميركي الذي سمم حياتهم.

لم تكن الديمقراطية هي السبب في كل هذا اليتم الذي تعيشه شعوب فقدت غطاء الدولة الذي كانت تحتمي به ولا سوء الفهم الذي وقعت فيه تلك الشعوب وهي تسعى إلى تصريف الديمقراطية واقعيا.

كان السبب الحقيقي يكمن في الفوضى التي عبأها الغرب في أكياس الديمقراطية.

وهي الفوضى التي لم يستفد منها سوى القتلة واللصوص وقطاع الطرق واخوان المكيدة السرية ومتعهدو النخاسة وحاملو التيجان الزائفة الذين قضوا حياتهم كلها في التسكع على أبواب أجهزة المخابرات الأجنبية.

وبعد أن فقدت الشعوب حريتها بسبب الديمقراطية، صار من حقها اليوم أن تصرخ كفرا بها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
عقاب إيران ضروري لأمن المنطقة
2017-12-16
الاستثمار في القضية الفلسطينية
2017-12-14
حرية لبنان في قفص حزب الله
2017-12-13
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
المزيد

 
>>