First Published: 2016-08-19

حروب جاهزة للاستهلاك

 

نحن آخر شعوب الأرض التي لا تزال فكرة الحرب تمدها بأسباب الحياة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

متى وقعت أخر الحروب في العالم العربي؟ ولكن متى لم تكن هناك حرب.

كلما توهمنا أن آخر الحروب صارت وراءنا أطل الوحش برأسه ليذكرنا بما نسيناه. ليست الحرب بالضرورة خارجية. لم يعد لزاما ان يأتي العدو من الخارج. أسباب حروبنا الداخلية لا تحصى وهي أكثر بكثير من أسباب حروبنا الخارجية التي صارت جزءا من التاريخ.

الأدهى من ذلك أنه ما من جهة تسعى إلى حل العقدة. عقدة الحروب التي تسكننا. ولأسباب كثيرة فإن مشكلاتنا لا يمكن حلها إلا بالحروب. ولكن هل هناك حقا جهة تفكر وبوازع وطني خالص في السير بتلك المشكلات إلى محطة السلامة؟ وكما هو واضح فإن غبار الحروب قد غطى على النيات الحسنة إن كانت تلك النيات موجودة اصلا.

العالم العربي اليوم في حالة حرب. هناك دول تعيش الحرب ساخنة على الجبهات فيما تبدو دول أخرى كما لو أنها في حالة حرب. جيوش في حالة استنفار وحالة طوارئ تشل القوانين وميزانيات مفتوحة لاستيراد الأسلحة وشعوب مذعورة وسياسة على الرف. ماذا تعني الحرب غير ذلك؟

مرت عقود على العرب وهم في حالة استنزاف. وكما يبدو لي فإن حرب الاستنزاف التي شهدتها جبهات القتال بين مصر وإسرائيل نهاية ستينات القرن الماضي كانت أقل تكلفة على الصعيدين البشري والمادي من حروب الاستنزاف التي عاشها (يعيشها) العرب بعيدا عن قضيتهم الكبرى في فلسطين.

لقد أنستهم تلك الحروب فلسطين فصاروا يكتفون بردع شبح التطبيع، على الأقل باللسان.

وليس مفاجئا أن تكون تلك الحروب هي الفرصة التي يجدها العالم المهتم بمصالحه للتدخل في شؤوننا، بل للعودة إلى زمن الاحتلال المباشر وغير المباشر.

ألم تكن خصومة العراق والكويت فاتحة لتدمير الكويت والعراق معا وهي ما قادت في ما بعد إلى احتلال العراق وتحطيم دولته واشعال الفتنة الطائفية فيه وتسليمه إلى إيران؟

أليست حرب الاخوة الأعداء في سوريا بكل ما حفلت به من مكائد الشطار والعيارين العرب حفلة دموية، كانت الدعوة إلى حضورها مفتوحة. وهو ما شجع الأشرار في مختلف أنحاء الأرض على القدوم إليها وتقديم عروضهم على مسرحها؟

ما الذي دفع بخلاف اليمنيين إلى أن يغادر حلبة التسويات السياسية ليجد في تمارين السلاح الحي نافذته الوحيدة التي يطل من خلالها على العالم؟

كان من الممكن أن تكون المجزرة الليبية فضيحة محلية، لولا أن فصولها تجري برعاية وحضور قوات تابعة لدول غربية عديدة. ولكن هل يملك الليبيون خيار العودة إلى فكرة بناء دولتهم من جديد بعد سقوط الاب الذي حكمهم أكثر من أربعين سنة؟

ليست المؤامرة الخارجية وحدها كفيلة لتفسير حالة العمى العربي التي أقفلت كل الأبواب وأبقت بابا واحدا مفتوحا هو باب الحرب.

حرب حزب الله في سوريا هي تتويج لحربه على الشعب اللبناني.

اما حركة حماس المعتزة باختطاف قطاع غزة فإن حربها الحقيقة موجهة ضد الشعب الفلسطيني. فلا سلطة واقعية في رام الله ما دامت غزة تابعة لمَن يدفع أكثر. وهو ما يريح إسرائيل.

ولكن مهلا. علينا أن لا ننجر وراء الدعاية الإيرانية التي تحمل اسرائيل والصهيونية والامبريالية كل شيء في محاولة لتضليلنا وارجاء مساءلة الذات ومن ثم البحث عن حلول، يكون مصدرها الواقع العربي.

لو لم نكن مسكونين بشرور الحرب لما كان في إمكان أحد أن يفرضها علينا بالطريقة البشعة التي نعيشها. لقد نبش العراقيون قبور الموتى من اجل ان تعلو راية الحسين ليقابلها قميص عثمان. من جهتهم قام السوريون بخفة بتسليم أمنيات الشعب بالحرية والكرامة إلى أكثر من اربعمئة منظمة إرهابية. اما الليبيون فإن صراعهم على آبار النفط فضح تدني وطنيتهم التي قد تكون وصلت إلى الصفر.

ولأننا شعوب مستهلكة فلا مانع لدينا من أن تحضر الحرب إلينا مسلفنة بشعارات إيرانية طائفية أو برايات داعش السوداء أو بهمهمة الدب الروسي أو بحنو ماما ميركل على اللاجئين. ما يهمنا حقا أن نستهلك ما امتلأت به مائدتنا من بضائع ملغومة.

نحن آخر شعوب الأرض التي لا تزال فكرة الحرب تمدها بأسباب الحياة. ولكن أي حياة!

 

فاروق يوسف

الاسم Almuslhi bin Ali
الدولة Australia

كتبت وأبدعت ووفيت كانك تنطق بلسان كل إنسان لازال حيّا . كل مقالة تكتبها هي صرخة حق مدوية في هذا الزمن الذي استُبيح كل جميل وانساني فيه حتى فقدت الحياة اجمل مزاياها . هنيأ لك مماتحمل حواسك من جميل القول، دمت وعاش قلمك دوما.

2016-08-19

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>