First Published: 2016-08-21

تطويق لاردوغان... إيراني وروسي واسرائيلي

 

الاستثمار في الرئيس التركي مستمر من الجميع. سوريا والأكراد وغولن فرضوا واقعا جديدا على 'السلطان'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

اين تقف تركيا من كلّ ما يجري في سوريا، خصوصا في ظلّ الغارات التي يشنها الطيران الروسي من قاعدة في منطقة همدان الايرانية والتطور اللافت المتمثل في شنّ النظام السوري هجمات على الاكراد؟

يبدو ان تركيا مطمئنة الى ان حلب لا يمكن ان تسقط في يد النظام، أي في يد الميليشيات المذهبية التي تدعمه والتي تقف ايران خلفها. هذا ليس سببا كافيا كي تتخذ تركيا موقفا قريبا من موقف المتفرّج حيال ما يدور في سوريا في وقت يبدو رجب طيب اردوغان منهمكا في استكمال انقلابه على مؤسسات الدولة العميقة التي يرمز اليها الجيش التركي من جهة والإسلام الصوفي لفتح الله غولن من جهة أخرى.

من المشروع التساؤل الى أي حد ستستغل روسيا وايران انهماك الرئيس التركي في ترتيب أوضاعه الداخلية، من دون تجاهل ان حلب قضية تركية داخلية وان سقوطها في يد ايران ستكون له انعكاساته على اردوغان نفسه. من الواضح، ردّا على هذا التساؤل ان ايران ورسيا ستسعيان الى استرضاء تركيا كي تعمل في ظلّهما وبما لا يتعارض مع طموحاتهما. هذا ما يفسّر الى حدّ كبير انتقال النظام السوري الى شنّ هجمات على الاكراد. حصل ذلك في الحسكة يوم الخميس الماضي. لم يكن للنظام، الذي بات مجرّد لعبة في يد روسيا وايران، الاقدام على هذه الخطوة من دون موافقة هذين الطرفين على ذلك.

لا شكّ ان العامل الكردي يلعب دوره في أي تقارب بين انقرة من جهة وكلّ من موسكو وطهران من جهة أخرى. إضافة الى ذلك، يبدو انّ القبول الروسي ـ الايراني بان حلب والمنطقة المحيطة بها منطقة نفوذ تركية، سيساهم الى حدّ كبير في تهدئة اردوغان وطمأنته الى ان انّه لن يتعرّض لهزة مصدرها سوريا. سيساعد ذلك الرئيس التركي في استكمال انقلابه على الدولة العميقة في تركيا وعلى الإسلام الذي يمثّله غولن، وهو اسلام مترسّخ في برّ الاناضول، فيما الحال الاخوانية التي يسعى اردوغان الى فرضها حال طارئة على المجتمع. يبقى الاخوان المسلمون حالا طارئة في تركيا على الرغم من النجاحات الاقتصادية التي حققها حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة والتي رفعت تركيا الى مستوى دولة مثل سويسرا في المجال الاقتصادي. تفوّقت تركيا على اسبانيا مثلا وبات لها مكانة يصعب تجاهلها بين القوى الاقتصادية العالمية على الرغم من عدم امتلاكها أي ثروات طبيعية.

ستستغل ايران وروسيا الوضع التركي قدر المستطاع بهدف تطويق اردوغان. ستستغلان خصوصا نقاط الضعف لدى اردوغان الذي يخوض حاليا معركة العمر على كلّ صعيد، بما في ذلك وضع اليد على المؤسسة العسكرية والانتهاء من نفوذ غولن في أوساط رجال الاعمال. ليس صدفة عن الإعلان عن الرغبة في إقامة مركز قيادة للجيش خارج انقرة، أي بعيدا عن وسط العاصمة، تزامن مع حملة على مئة وسبعة وثمانين من كبار رجال الاعمال يُعتبرون موالين لغولن. الهدف واضح كلّ الوضوح ويتمثّل في استكمال كسر هيبة الجيش كمؤسسة مستقلة تمتلك هامشا للمناورة خاصا بها.

لم تقتصر عملية استمالة اردوغان على فلاديمير بوتين والقيادة الايرانية التي جعلت الأمين العام لـ"حزب الله" في لبنان السيد حسن نصرالله يمتنع في خطابه الأخير عن شنّ أي هجوم على تركيا، بعدما كان ذلك احد اختصاصاته ومن بين المهمّات المكلّف بها، إضافة بالطبع الى القيام بحملات على المملكة العربية السعودية.

هناك أيضا رغبة إسرائيلية في تلميع صورة الرجل. الدليل على ذلك، التسوية التي توصلت اليها إسرائيل وتركيا في شأن سفينة "مرمرة". استهدفت التسوية انقاذ ماء الوجه لاردوغان الذي كان يريد فكّ حصار غزّة عبر سفينة مساعدات. ستدفع إسرائيل عشرين مليون دولار تعويضات لذوي المواطنين الاتراك الذين كانوا على "مرمرة" والذين قتلتهم قواتها عند اغارتها على السفينة في البحر في العام 2010.

هناك باختصار عملية تدجين لاردوغان يشارك فيه غير طرف. يبقى السؤال الاهمّ هل سيكون لذلك تأثير على الوضع السوري؟ هل تكفي طمأنة الرئيس التركي الى ان ايران لن تدخل حلب، عبر ميليشاتها المذهبية وعبر "شبيحة" النظام كي تستكين تركيا وتنسى انها نادت منذ البداية بضرورة رحيل بشّار الأسد؟ أخيرا هل يكشف اردوغان انّ الهمّ الاول لتركيا، بعد معركته الداخلية طبعا، هو الهمّ الكردي؟

كان ملفتا ذلك الغزل بالرئيس التركي عندما جاء وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الى انقرة قبل بضعة ايّام. استخدمت ايران الزيارة لتأكيد انّها شريك في الحرب على الإرهاب، علما ان كلّ ما تفعله ايران في المنطقة، ان في سوريا او العراق او لبنان او اليمن، عبر اثارة الغرائز المذهبية، هو توفير حاضنة للارهاب المتمثل بـ"داعش" ومن على شاكلته من تنظيمات إرهابية سنّية.

تكمن مشكلة الرئيس التركي في انّه يبحث بين حين وآخر عن تعزيز لشعبيته عن طريق المزايدات الرخيصة التي لا تؤدي الى نتيجة. باع الفلسطينيين الاوهام في غزّة وباع السوريين وعودا ومواقف. صحيح انه لا يمكن تجاهل ان تركيا قدّمت، مشكورة، مساعدات كبيرة للمعارضة السورية وللاجئين الى أراضيها، لكنّ الصحيح أيضا انّ تركيا وقفت عاجزة امام ما يرتكب من مجازر في هذا البلد. الأكيد ان الموقف الاميركي، القائم على مسايرة ايران، لعب دورا أساسيا في لجم الطموحات التركية، لكنّ اردوغان لم يحسن في ايّ وقت لعب أوراقه السورية مدخلا نفسه في سوق المزايدات والوعود غير القابلة للتحقيق كاشفا نفسه امام الايرانيين والروس وحتّى الإسرائيليين...

يعرف الرئيس التركي في الوقت الحاضر ان الحملة على الولايات المتحدة وعلى أوروبا يمكن ان تعزّز شعبيته. يراهن على مثل هذا النوع من الحملات، فيما الجميع يعرف ان مشكلته في النهاية، بعدما افشل الانقلاب الذي تعرّض له، هي في الداخل التركي.

ربّما من بين الأسباب التي تدفع كلّا من ايران وروسيا الى دعم الرئيس التركي في هذه المرحلة تمكينه من الانصراف الى الانتهاء من الانقلاب المضاد الذي يقوده على الجيش وعلى جماعة غولن. هذه معركة طويلة تحتاج الى جهود كبيرة في ظل الصعوبات التي تواجه تركيا. من بين هذه الصعوبات، على سبيل المثال وليس الحصر تدهور العلاقات مع أوروبا عموما ومع الولايات المتحدة الداعمة للاكراد في شكل خاص. امّا على الصعيد الاقتصادي الذي يهمّ اردوغان كثيرا، يكفي ان مداخيل القطاع السياحي تراجعت بنسبة أربعين في المئة للتأكد من ان الطريق الى قيام دولة تركية على مقاس اردوغان وفكره الاخواني ما زالت طويلة، بل طويلة جدا.

هذا ما يدركه الروسي والإيراني والإسرائيلي... لماذا لا يستغلون جميعا نقاط الضعف الاردوغانية هذه في سوريا وفي غير مكان من المنطقة أيضا؟ لماذا لا يعملون على استنزاف اردوغان وتطويقه، ومن خلاله استنزاف تركيا وتطويقها؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
اويحيى يتقدّم في خلافة بوتفليقة...
2017-08-18
عصر الميليشيات يحصّن عصر الهزيمة
2017-08-16
ليس بالفجور تُفرض الوصاية الايرانية...
2017-08-14
ان تعرف كيف تخسر...
2017-08-13
مناورات روسية في سوريا
2017-08-11
سراب الحلّ... في اليمن
2017-08-09
لبنان وتجاوز الفخّ الإيراني
2017-08-07
الاكراد والاستقلال... وجامعة الدول
2017-08-06
مقتدى الصدر في السعودية... يظلّ حدثا
2017-08-04
لا تصفيق لـ'حزب الله'
2017-08-02
المزيد

 
>>