First Published: 2016-08-21

الصحافة غيبت الفلسفة والفيزياء

 

الصحافة تجاهلت العلماء والفلاسفة ولم تعد تقدمهم كصناع حدث يمس حياتنا، إلا بقدر لا يليق بهم! لأنها ببساطة صارت ترى أهمية أخبار نجوم الموسيقى والسينما والرياضة بجبين عال، وترى علماء الفيزياء بعين شبه مغمضة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

اقترحت صحيفة ليبراسيون الفرنسية قبل سنوات يوما للفلسفة، لم تكن في الأمر مغامرة بقدر إعادة الهيبة الإعلامية للفلسفة التي تضاءلت لحساب الثقافة الواطئة في وسائل الإعلام. فمنحت الصحيفة كل العاملين بمن فيهم رئيس التحرير، إجازة ليوم واحد، ودعت بوقار الحكمة اليونانية فلاسفة من الجامعات لتحرير الصحيفة في ذلك اليوم.

كان الهدف تبسيط الأفكار الفلسفية أولا في قصص صحافية، ومحاولة إعادة اهتمام الناس بالفلسفة إزاء السطحية التي غلفت حياتنا المعاصرة. فالفلسفة ليست من الماضي، إنها يمكن أن توفر حلا لمعضلات العالم السياسية والاقتصادية، ويمكن لها أن تلعب دورا في إعادة المجتمع إلى اتساقه المفقود.

ماذا حصل بعدها؟ هل جذبت طبقة الحكمة التي غطت على صفحات جريدة ليبراسيون في اليوم التالي، الناس إلى الفلسفة، أم إنها قامت بتذكيرهم وبنية طيبة، بسيمون دي بوفوار وجان بول سارتر الصحافي أكثر من المفكر.

بلا شك كانت فكرة تستحق الثناء والغبطة آنذاك، لكنها ليست كافية، على الأقل بالنسبة للصحافة التي افتقدت الطريق نحو الأفكار العلمية وسقطت في لجة الفوضى السياسية، وانقادت لمسايرة مغريات التكنولوجيا ومنتجاتها بشكل تجاري. الصحافة تراجعت عن تقديم فلاسفة بالشكل الذي يسحب الفلسفة من الرفوف العالية للمكتبات التاريخية إلى عناوين الصحف الرئيسية.

الصحافة تجاهلت أيضا بشكل ما علماء الفيزياء ولم تعد تقدمهم كصناع حدث يمس حياتنا، إلا بقدر لا يليق بهم! لأنها ببساطة صارت ترى أهمية أخبار نجوم الموسيقى والسينما والرياضة بجبين عال، وترى علماء الفيزياء بعين شبه مغمضة.

لو جمعنا كل ما كتب في صحف العالم عن عالم الفيزياء البريطاني المثير للجدل ستيفن هوكنيغ، فلا يعادل ربع ما نشر عن نجمة بوب أميركية لا تملك فكرة بسيطة للدفاع عن فنها.

لا أملك حلا لإعادة الصحافة لمثل هذا المسار، لأن الفلسفة ببساطة ليست أمرا مشوقا، والفيزياء من الصعوبة بمكان أن تجد لها مهتمين كثرا. لكنني أقترح على الصحف أن تقدم مثل هذه الأفكار العلمية ببساطة وتشويق أكثر من أجل أن يتفاعل معها القراء.

أستطيع أن أدافع عن هذا الاقتراح، بما نشرته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية الأسبوع الماضي، فقد قدم لودوفيك هنتر– تيلني، عبر حوار بهيئة تحقيق صحافي البروفيسور الإيطالي كارلو روفيلي، بطريقة تجعل المسائل الفيزيائية بمتناول القراء وكأنها نص أدبي مفعم بالحيوية.

اللغة في هذا الحوار الصحافي كانت واسطة للفهم وليست للمزيد من التعقيد عندما تفسر الجاذبية الكمية، كنظرية تحاول حل ما يصفه روفيلي بواحدة من المسائل الكبرى المفتوحة في الفيزياء.

أهمية أعمال هذا الفيزيائي الإيطالي ذي العقل الأدبي، بما فيها الكفاية لتتم مناقشتها في مؤتمر مدته خمسة أيام، بالتزامن مع عيد ميلاده الستين، لذلك تم ضمه إلى صفوف المشاهير من العلماء كموهبة تروج للعلوم شديدة التعقيد.

لقد قدم المحاور لودوفيك هنتر عبر صحيفة فاينانشال تايمز، درسا صحافيا في غاية الأهمية، عن معنى أن نتعامل مع عالم الفيزياء بالطريقة المتميزة في الصحافة المتقدمة، التي لا تجعل القارئ العادي يقلب الصفحة لمجرد أنه وجد كلمة فيزياء في تبويبها وليس كلمة رياضة مثلا.

فعندما يقدم فكرة عن كتاب روفيلي “سبعة دروس مختصرة في الفيزياء”، يمنح قارئ الصحيفة مساحة من الثقة والاسترخاء، لأنه يقرأ شيئا جديدا عن الفوتونات والبروتونات والثقوب السوداء الساخنة والزمن غير المتصل.

يقارن روفيلي في كتابه حول الفيزياء، معادلة لأينشتاين حول انحناء المكان مع “الجمال النادر لرباعية بيتهوفن، وَتَرية متأخرة”، وهو يضع النظرية العامة في النسبية في مستوى مسرحية الملك لير لشكسبير، أو الجمال الراقي في سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان. كل ذلك بدا مفهوما بصورة أنيقة لدى عامة الناس، في كتاب روفيلي وبالطريقة البارعة التي قدمها المحاور في الصحيفة البريطانية وهو يندد بـ“سوء الفهم وعدم الثقة بالعلوم التي يظهرها جزء مهم من ثقافتنا المعاصرة”، مثلما جعل القارئ العادي يعرف الفرق بين H2O و C2H6O، فالأول رمز الماء الكيميائي الذي عرفه الصغار في المدارس ونسيه الكبار في لجة الحياة، والثاني هو الرمز الكيميائي للنبيذ، الذي لا يفضله روفيلي على الماء، بينما يمارس عمله محاضرا في بلد النبيذ بمركز الفيزياء النظرية في مدينة مرسيليا الفرنسية.

هذا الحوار إن تكرر ما يشبهه، فهو قد يخفف من درجة الارتياب من العلوم ليس لدى عامة الناس فحسب، بل في وسائل الإعلام أيضا، إثر هيمنة الأفكار الدينية والتاريخية التي جعلت من المعرفة الحقيقية وكأنها ليست المعرفة العلمية، وجعلت من العلوم خبرا من الدرجة الثانية في الصحف اليوم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم د. رياض رفعت
الدولة كندا

اهنأ كاتب المقال الاستاذ كرم نعمة الذي لم اقرأ له من قبل، على هذا التحليل العميق، انا استاذ فيزياء منذ ثلاثين عاما في الجامعات العربية والكندية لم اقرأ مثل هذه الإلتفاتة الذكية، فشكرا لكم

2017-01-19

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>