First Published: 2016-08-23

أين فصائل العمل الوطني والإسلامي مما يجري في الضفة الغربية؟

 

ما يجري في الضفة لا يندرج في سياق ارهاصات وطنية ثورية، ولا يستهدف الأجهزة الأمنية والسلطة الوطنية فقط، بل يستهدف المشروع الوطني ووحدة الشعب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

ما جرى خلال الأيام الماضية في مدينة نابلس يثير القلق، سواء من حيث التوقيت أو حجم وخطورة الأحداث. توصيف الأجهزة الأمنية بأن ما يجري مجرد حملة ضد خارجين عن القانون من لصوص ومهربين لا يعبر في رأينا عن حقيقة ما يجري، وربما الحكومة والأجهزة الأمنية يتحفظون في الحديث عن الحقيقة حفاظا على السلم الأهلي الداخلي والعلاقة مع دول جوار ورغبة منهم في عدم توتير الأوضاع أكثر.

بالرغم من أن السيد الرئيس أبو مازن تدخل في الموضوع وخفف من حدة الاحتقان في نابلس إلا أن الموضوع في رأينا لم ينتهِ بعد، لأن الأمر أكبر من خلافات شخصية بين قيادات فتحاوية أو خلافات عائلية. سقوط 4 قتلى وعدد من الجرحى وتصريح الناطق باسم الأجهزة الأمنية اللواء الضميري يوم الأحد - 21 أغسطس - عن وجود ذخيرة ومتفجرات وقاذفات صاروخية في صناديق خاصة بالأسلحة ومكتوب عليها بالعبري، وكون الأحداث التي جرت في نابلس الأسبوع الماضي ليست الأولى بل سبقتها أحداث مشابهة في نفس المدينة وفي جنين وطولكرم وفي مخيمات متعددة، كل ذلك يقتضي مزيدا من اليقظة والتعامل العقلاني ووضع الأمور في سياقها الصحيح والذي يتجاوز كونها مجرد حملة أمنية ضد مجرمين عاديين.

لا نريد أن ندافع عن الأجهزة الأمنية أو عن اداء الحكومة أو نغوص في التفاصيل والبحث عن الأسباب المباشرة التي أدت لتراكم الاحتقان لدرجة الوصول لحد الانفجار، وندرك ونتفهم حالة الغضب من بعض قيادات ومنتسبي حركة فتح وبعض العائلات من ممارسات الحكومة، أيضا نستشعر وجود حالة من التنافس والخلاف بين قيادات حركة فتح نفسها، كما أننا ضد تكميم الأفواه واعتقال الناس على خلفية حرية الرأي والتعبير، ولكن...

أن يتزامن هذا الارتفاع في حدة المواجهة مع الأجهزة الأمنية وارتفاع الأصوات المُنددة بممارسات الحكومة والمشككة بسياسياتها والتحريض عليها، أن يتزامن ذلك مع تصريحات ليبرمان وقبله نتنياهو حول نهاية وظيفة السلطة ورئيسها، وتهديدهما بتجاوز السلطة والتعامل مع جماعات من خارج السلطة أو التعامل مباشرة مع المجالس البلدية المنتخبة، ومع اهتمام إسرائيلي وغربي غير مسبوق بالانتخابات المحلية، كل ذلك يضعنا أمام مشهد شبيه بما كان عليه الحال عند محاصرة الرئيس ابو عمار في المقاطعة عام 2003 وقرار إسرائيل وواشنطن بتجاوزه وإعادة النظر في التعامل مع السلطة، وما صاحب ذلك من حالة فلتان أمني وسياسي أدى لاحقا لاغتيال الرئيس أبو عمار وإضعاف السلطة الوطنية وفرض شروط أمنية وسياسية مجحفة عليها وفرض إجراء انتخابات محلية وتشريعية، ثم الانقسام.

ما يجري اليوم في مناطق السلطة وفي الضفة خصوصا يجعلنا نستحضر سنوات الفوضى والانفلات والتآمرات الداخلية والخارجية، حيث تم توظيف بعض أوجه الخلل في أداء السلطة وحالة الفلتان الأمني المُخطط والممنهج وتضخيم الحديث عن الفساد والخلافات الفلسطينية لتمرير معادلة أو خطة كانت مُعدة مسبقا لضرب المشروع الوطني من خلال إفشال السلطة الوطنية وتقسيم مناطقها.

ولأنه لم تُجر قراءة دقيقة وصحيحة للسنوات ما بين 2000 و2007 فإننا نخشى بأن ما يجري اليوم يندرج في نفس السياق أو مرحلة جديدة تهيئ لمعادلة إسرائيلية إقليمية دولية جديدة. نعلم ونلمس وجود خلل في أداء السلطة الوطنية وضعف تواصلها من أهلنا في الضفة الغربية والتباس في علاقتها بحركة فتح، ونتفهم مواقف المنتقدين لأداء السلطة والمطالبين بالإصلاح والمصالحة الوطنية، كما نلمس تزايد ثقل العائلية على حساب الحزبية، وتزايد تطلع البعض لإعادة الارتباط بالأردن، بالإضافة إلى انتشار السلاح وهو أمر لا يمكن أن يتم إلا بتواطؤ إسرائيلي، ولكن...

يجب الحذر من أن توظِف إسرائيل كل هذه الأمور لإخراج نفسها من مأزقها الدولي، وإفشال الجهود الدبلوماسية للرئيس وحملات المقاطعة، وإطلاق رصاصة الرحمة على السلطة الوطنية، وتكريس الانقسام وإحلال نخبة جديدة في الضفة الغربية سواء من بوابة الانتخابات المحلية أو بوابة الجماعات المسلحة والعائلية المرتبطين بجهات عربية وإقليمية وبإسرائيل مباشرة.

نتمنى على القيادات الوطنية الصادقة وهي تتعامل مع الاحداث في الضفة أن تقرأ جيدا الاستراتيجية الإسرائيلية وتصريحات ليبرمان ونتنياهو، وأن تستحضر سنوات الانفلات الأمني والفوضى في نهاية عهد الرئيس أبو عمار، وأن يربطوا كل ذلك بما يتم الإعداد له لفلسطين والمنطقة. ولا بأس من التذكير كيف وظفت واشنطن وحلفاؤها حالة الغضب الشعبي العربي على الأنظمة ووجود إرهاصات ثورات شعبية حقيقية لتقوم بتدمير الدولة الوطنية وتفتيت وحدة المجتمع، وتقطع الطريق على دعاة الديمقراطية والإصلاح والثوريين الحقيقيين لصالح جماعات غير وطنية.

مع أننا مع تغيير وظيفة السلطة وأدواتها وعلاقتها مع إسرائيل، ومع إعادة رسم علاقاتها بحركة فتح ومنظمة التحرير وبالمشروع الوطني، إلا أن ما يجري في الضفة لا يندرج في سياق ارهاصات وطنية ثورية، ولا يستهدف الأجهزة الأمنية والسلطة الوطنية فقط، بل يستهدف المشروع الوطني ووحدة الشعب، وبالتالي مهمة التصدي يجب أن تكون مسؤولية الجميع. وفي هذا السياق نستغرب الموقف المتفرج للفصائل والأحزاب بما فيها حركة فتح تجاه ما يجري، وكذا موقف مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية والاعتبارية، ولا ندري إن كان هذا الموقف السلبي يعبر عن جهل لحقيقة ما يجري؟ أو أنها تعرف الحقيقة ولكنها عاجزة عن فعل أي شيء؟ أم أن المسالة الوطنية لم تعد مركزية عند غالبية هذه الأطراف، وخصومتها وكراهيتها للحكومة والأجهزة الأمنية تفوق أية اعتبارات أخرى؟ وإذا كانت حركة حماس والجماعات الإسلامية الاخرى غير معنية بما يجري يل ربما تكون متواطئة بدرجة أو أخرى، فماذا عن فصائل منظمة التحرير وهل ستكرر نفس الموقف والسلوك الخاطئ الذي اتخذته سابقا؟ أم أن هناك رواية أخرى لا نعرفها؟

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
الرد الفلسطيني على مستجدات السياسة الأميركية: ورقة تقدير موقف
2017-12-13
انقلاب في السياسة الأميركية وليس مجرد نقل سفارة
2017-12-09
نقل السفارة الأميركية إلى القدس: الخلفيات والتداعيات
2017-12-07
طبِّعوا إن شئتم، ولكن ليس على حساب الحق الفلسطيني
2017-12-06
إرهاب الصغار للتغطية على إرهاب الكبار
2017-11-26
إشكال الديني والسياسي والبحث عن مرجعية ناظمة
2017-11-22
استقالة الحريري كإحدى تداعيات فوضى الربيع العربي
2017-11-17
الرئيس الذي تَوَزَع دمه بين القبائل
2017-11-11
الصفقة الكبرى بين التهويل والتهوين
2017-11-08
إشكالية الموضوعية في التحليل والبحث السياسي
2017-11-05
المزيد

 
>>