First Published: 2016-08-23

حين يعبث المثقفون بمصائر شعوبهم

 

لم تعد كذبتا الامبريالية والصهيونية ممكنتين، فاستبدلناهما بالصفوية والوهابية، من أجل أن نرتاح ونريح.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هناك مَن يتسلى بنا ظانا أنه يسلينا.

كل ما يقع من حولنا في العالم العربي هو عبارة عن إضاعة وقت ليس إلا. فلا شيء مما يحدث يمت إلى فعل البناء بصلة. ما من شيء يوحي بالحرث والزرع لننتظر حصاده. هناك صراع على السلطة. وهو صراع عبثي. ذلك لأن كل الأطراف المتصارعة لا تملك ما يرتقي إلى مستوى الحقيقة. حقيقة الحياة التي تليق بالإنسان في عصرنا.

"نحن نقف خارج التاريخ" جملة يمكنها أن تكون مضحكة بسبب ما تنطوي عليه من بداهة. طبعا نحن خارج التاريخ. وهو ما يجعل كل ما نعيشه ونقوله ونفكر فيه ونحلم به وندافع عنه مجرد هراء. أهناك ظلم أكثر من ذلك الظلم؟

لقد صارت حياتنا قياسا إلى مفهوم الحياة الحقة مجرد هراء. نحن فعلنا ذلك بأنفسنا ولم يفعله أحد بنا. لم تعد كذبتا الامبريالية والصهيونية ممكنتين، فاستبدلناهما بالصفوية والوهابية، من أجل أن نرتاح ونريح. ولكن شؤون الحياة لا يمكنها أن تستمر في ظل ذلك التمرغ في وحل عقائد، ليس مؤكدا أنها لا تزال موجودة.

هناك مشكلات أشد تعقيدا. وهو ما يجب أن نواجهه بصراحة لن تكون يسيرة.

على سبيل المثال. لم يعد الاحتلال الأميركي يشكل عقدة بالنسبة لمعظم المثقفين العراقيين الذين صاروا يتعاملون مع نفايات ذلك الاحتلال باعتبارها أمرا واقعا. بل أن كثيرا منهم صار يقدم بكرم اقتراحاته من أجل تحسين الاداء والتقليل من أضرار الفساد.

أليس ذلك السلوك المنافق نوعا من إضاعة الوقت؟

هناك من المثقفين السوريين مَن يراهن على انتصار جبهة النصرة وفروعها في حلب، متناسيا المسافة التي تفصل بين صورة سوريا المشرقة التي حلم بها السوريون من خلال ثورتهم والليل الحالك الذي تخطط تلك المنظمة الإرهابية أن تخيم به على سوريا.

لا تبرر كراهية النظام الانزلاق إلى الجحيم واللعب مع الشياطين.

المثقفون السوريون يضيعون أوقاتهم بما لا ينفع شعبهم.

ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان هو نوع من العبث. عبث بمصائر الشعوب. عبث بمفهومي الوطن والمواطنة. عبث بالعدالة وبالإنسان. عبث بكل ما انطوت عليه تجارب تلك البلدان من محاولات لبناء دولة، تكون مرجعا قانونيا لفكرة العيش.

الوقت الذي نضيعه بعبث هو جزء عزيز مستقطع من المستقبل.

يخون المثقف العربي وظيفته حين يراهن على خيارات سياسية فاسدة، أثبتت بطلانها على مستوى صناعة الواقع السوي. لقد مر زمن طويل والشعوب العربية تنتظر من دون جدوى. فهل على المثقف أن ينضم إلى صفوف المنتظرين؟

هناك مَن يروج لفكرة أن شعوبنا لا تحترم جهلا وظلما مثقفيها. وهي فكرة تنجو بالمثقفين من المسؤولية وتضعهم في موقع، يستدرون من خلاله العطف والشفقة. ولكن المثقف العربي في حقيقة ما يطرحه من أفكار وما يفعله إلا في ما ندر لا يظهر كثير احترام لمستقبل شعبه، لرقي مفاهيم وقيم إنسانية ذلك الشعب، لحقه في العيش الكريم، بعيدا عن عالم الإرهاب والفساد الذي هو صناعة السياسيين.

ليس صحيحا القول إن هناك مَن سعى إلى إزاحة المثقف في العالم العربي عن مكانه. الصحيح هو إن المثقف العربي لم يكن حريصا على موقفه المستقل، ولم يعتبر حريته الفكرية ميزانا لوجوده، إلا على مستوى ممارسة بعض التقنيات الكتابية التي لا تصنع مجتمعا.

لقد كُتبت أطنان من الورق مبشرة بالربيع العربي، وحين تبين أنها الكارثة صمت الجميع. حتى القدرة على الندم والتراجع ليست من شيم مثقفينا. ألا يعتبر ما جرى نوعا من الضحك على الذات وعلى الآخرين؟

لقد آن لنا أن نعترف وإن متأخرين بأننا عبثنا بأنفسنا وبمجتمعاتنا بما يكفي وعلينا أن نوقف مسلسل الأوقات الضائعة التي سرقت من حق أجيالنا المقبلة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
المزيد

 
>>