First Published: 2016-08-23

عرض غير لائق

 

السؤال التقليدي عن المال والسعادة، حاضر في الفلسفة العميقة وفي الكلام السطحي لكننا لم نتفق بشكل واقعي حوله ونزعم غالبا وبكلام رومانسي أن المال لا يهمنا، إلا عندما نشعر بالضعف في دواخلنا فنعترف بأنه فوق كل الاعتبارات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

كان المشهد متقنا مع أنه صوّر بكاميرا خفية، الإتقان في حكمة الفكرة وليس في إضحاك وإبهار المشاهدين، امرأة في غاية الجمال تقف أمام بوابة فندق وكأنها تنتظر مركبة ما، اقترب رجل منها ومن دون أي تردد أثنى على جمالها عارضا عليها الاستضافة للتحدث معها!

حقا أنت جميلة لماذا ترفضين عرضي، ثمة الكثير من المقاهي الجميلة هنا، بالتأكيد سنتحدث عن أشياء مثيرة، كانت تبدو أنها لا تعيره بالا، وردت عليه بكلمات مقتضبة، أغرب عن وجهي لا أريد مرافقتك.

بعد رفضها المتعالي، طلب الرجل من العامل أمام بوابة الفندق أن يجلب سيارته، ويا للمفاجأة، كانت سيارة في غاية الفخامة وقفت أمام المرأة تماما، وفي اللحظة التي أراد الرجل أن يقود سيارته، تهاوى غرور المرأة الجميلة وبدأت الكلام “إنها سيارة جميلة”، رد عليها بالشكر، فاستمرت بالكلام مبدية أسفها لأنها لم تقبل الكلام معه من الوهلة الأولى، عارضة عليه مرافقته للتحدث، فهو أمر سار بالنسبة إليها.

رحب بالفكرة، وطلب منها الانتظار لحظة ليخرج شيئا من صندوق السيارة، فأخرج مطرقة كبيرة لا يستخدمها إلا العمال ذوو العضلات المفتولة، فقال لها امسكي هذه، استغربت المرأة الجميلة، لكنها خضعت وأمسكت بالمطرقة الحديدية.

فقال لها هذا ما تستحقين يا عبدة المال!

ركب سيارته وانطلق فيما الكاميرا تركز على الإهانة التي بانت على ملامح المرأة.

مهما يكن من أمر الرسالة التي سعى لها منتجو هذه القصة الواقعية بكاميرا خفية، فإن سؤال المال لم يغب منذ أن عُرف المال نفسه، السؤال التقليدي عن المال والسعادة، حاضر في الفلسفة العميقة وفي الكلام السطحي لكننا لم نتفق بشكل واقعي حوله ونزعم غالبا وبكلام رومانسي أن المال لا يهمنا، إلا عندما نشعر بالضعف في دواخلنا فنعترف بأن المال فوق كل الاعتبارات.

يمكن العودة إلى الحكمة التي قدمها فيلم “عرض غير لائق” لديمي مور وروبيرت ريدفورد، لاكتشاف الوهن داخل الإنسان حيال المال، حتى إذا تعلق الأمر بالكرامة، فريدفورد الثري يعرض على مور وزوجها مبلغ مليون دولار من أجل أن تقضي معه ليلة واحدة فقط! فتثأر بكلام غاضب أمام وقاحة الرجل، ويرد زوجها عليه، بأن أمواله لا يمكن أن تشتري كرامته. لكن الثري الواثق رد عليهما بهدوء بأن عرضه مستمر، فلماذا لا يفكران به بهدوء ويردان عليه لاحقا، فالمبلغ مليون دولار مقابل ليلة واحدة لا أكثر!

لم يستطع الرجل وزوجته النوم ليلتها، وانتقل الوهن بينهما بالتنازل عن الكرامة، وأحدهما بدأ يقنع الآخر بأنها مجرد ليلة واحدة لا أكثر فما أهميتها، حيال أن نعيش بقية العمر ومعنا مليون دولار!

حدثني زميل صحافي عن صديقه الثري عندما اقتربت ثروته قبل عقود من المليون الأول، كان يحدث نفسه أمام المرآة لا ليتأمل ملامحه، بل ليكتشف شعوره مع المليون الذي يمتلكه.

أما بعد أن تضاعف المليون فكان يخاطب نفسه بصوت عال “ولك… إثبت”!

تداولنا المئات من الحكم عن علاقة المال بالحياة، لكننا لم نفسر مع أنفسنا إلى اليوم علاقته بسلوكنا بشكل واضح، متى لا يتغير الإنسان تحت إغراء المال.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم ولد الرس
الدولة السعودية-الرس

مقال غاية في الجمال فعلا يتحدث عن واقع نعيشه

2016-08-23

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء
2017-01-22
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
المزيد

 
>>