First Published: 2016-08-24

الصور تخون ألم أبطالها

 

الولايات المتحدة صانعة صور، بل هي الصانعة الأولى للصور في عالم اليوم، لكنها حكومة وشعبا لا تأخذ الصور على محمل الجد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حتى لو كانت صورة الطفل الحلبي عمران زائفة فإنها ليست بعيدة عما يجري في الواقع. ولو افترضنا جدلا أن تلك الصورة زائفة فإن من قام بصناعتها يعرف جيدا أنها قابلة للتصديق. لا يمكن أن تنتج الحرب أطفالا سعداء أو أقل ذعرا؟

المزعج في الامر أن العالم قابل بذهول ذهول عمران. وهو ما لا يمكن فهمه إلا على أساس ما ينطوي عليه تمكن روح الفرجة وهيمنتها على متابعي الاحداث العالمية التي يتم تداولها كل لحظة من قوة وانتشار. لا فرق في ذلك بين الحرب الاهلية في سوريا والألعاب الاولمبية في البرازيل.

هناك ما يُمحى دائما من أجل أن يبقى الشريط صالحا للاستعمال.

يغطي الزيف على الحقيقة وفي النهاية فإنه يسحبها معه إلى الخفاء.

لقد دمرت التقنيات الحديثة إمكانية أن تكون الصورة، اية صورة حقيقية وبذلك انعدم تأثير الصورة. وهو ما يدفع المؤسسات، صاحبة القرار في العالم القوي إلى عدم الاكتراث بما تنتجه الماكنة الإعلامية من صور. إنها لا تتعامل إلا مع الصور التي تنتجها بنفسها أو تنتج من أجلها من خلال معالجتها بأدواتها.

لذلك فإن مَن يحلم باستعادة زمن الصورة القادمة من فيتنام أو من كوبا أو من براغ فإنه كمَن يحرث المياه. لم تعد الصور تخيف أحدا. كما أنها لن تتمكن من الصمود أمام سيل الصور التي تنتج بعدها.

هناك اليوم معامل ضخمة لإنتاج ما لا يحصى من الصور، لن يتمكن المرء من متابعتها أو التعرف على ما يمكن أن تحدثه من تأثير داخل النفس البشرية. لذلك يمكننا القول إن الرأي العام لم يعد يُصنع بالطريقة القديمة نفسها.

صورة الذعر الذي أظهره جسد فتاة فيتنامية عارية أخرجت الاميركيين من بيوتهم وهو ما لم تفعله صور ملجأ العامرية الذي قصفته الطائرات الأميركية لتقتل ما يقارب ألف طفل وامرأة، كانوا يحتمون بجدران وسقف ذلك الملجأ بعيدا عن القصف.

لا علاقة للموضوع هذه المرة بتقنيات الصورة.

لقد تبدل الزمن. بدءا من حرب الخليج عام 1991 لم يعد مسموحا للصورة أن تفعل ما كانت تفعله في ستينات وسبعينات القرن الماضي. وهو ما بدا واضحا حين عرض كولن باول، وزير الخارجية الأميركي صورا زائفة لأسلحة الدمار الشامل التي قيل إن العراق يمتلكها في احدى قاعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كانت تلك الصور مجرد ترويج للحملة العسكرية الأميركية ليس إلا.

ولأن الولايات المتحدة صانعة صور، بل هي الصانعة الأولى للصور في عالم اليوم، فإنها حكومة وشعبا لا تأخذ الصور على محمل الجد. إن صدقت صورة فما ذلك إلا لأن تلك الصورة تخدم مخططاتها وتقربها من أهدافها.

لذلك يمكنني القول إن الطفل الحلبي عمران هو ضحية صورته.

ذلك الطفل سيعرف حين يكبر أنه كان محط نفاق عالمي غمره بالدخان الذي غطى الكثير من الحقائق التي سعى العالم إلى اخفائها. فما الذي كان يجري فيما كانت صورة عمران الذاهل تصنع مسرحا عالميا للفرجة؟

الصورة اليوم تلعب دورا مضادا للدور الذي كانت تلعبه بالأمس.

الصورة اليوم إن كانت زائفة أم حقيقية فإنها تستعمل غطاء لما لا ينبغي أن يُرى. لما يجب أن يقع من غير أن يترك أثرا وراءه يشير إلى وقوعه.

ألا يعني ذلك أن الصورة صارت تستعمل وسيلة للخداع والتضليل حتى وإن كانت حقيقية؟

شيء من هذا القبيل حدث مع الطفل عمران الذي سيرى يوما ما صورته مستعينا بغوغل. لن تخونه الذاكرة، وسيتألم لأن صورته استعملت من أجل أن تمر خيانة الحقيقة. من أجل أن يكون الزيف ممكنا.

يتواطأ الكثيرون في عالمنا من أجل أن يبقى الضحايا صامتين. صور الضحايا التي لا تُنتج إلا لتُمحى هي اهم من الضحايا أنفسهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
المزيد

 
>>