First Published: 2016-08-25

الحياة المؤجلة وحوار الأموات مع الأحياء

 

الفرق بين الصومالي والايسلندي هو الفرق بين العيش والحياة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما بين الشعبين الايسلندي والصومالي مسافة تؤثثها القيامة بمعدات وآلات ووسائط مختلفة تنتمي لعالمي الجحيم والنعيم اللذين هما ليس الشيء نفسه، فما يفرق بينهما لا يمكن اختزاله بسبل العيش.

ليس الرخاء ولا الفاقة. ليس الترف ولا الشظف. ليست الوفرة ولا الشحة هما طرفا المعادلة التي يمكن احداث نقض فيها وتعديلها، بحيث يصبح الصومالي ندا للايسلندي، يقف معه على الميزان نفسه.

هناك شيء جوهري لا يُسمى ولا يُرى. لا يمكن صناعته ولا استيراده معلبا، مفقود في الصومال وفي دول عديدة أخرى أصيبت بالداء الخبيث الذي ضرب الصومال لا يفكر فيه أحد في ايسلندا. فهل السعادة هي ذلك الشيء؟

ولكن هل الايسلنديون سعداء لأن مشكلاتهم قد حلت منذ زمن طويل؟

تلك حقيقة ناقصة مصدرها الجهل والتبسيط. لدى الايسلنديين من المشكلات ما يزيد بأضعاف على ما لدى الصوماليين والعراقيين والسوريين واليمنيين مجتمعين من مشكلات. غير أن تلك المشكلات ليست من النوع التي تستغبي أصحابها فتبدو مستحيلة وعصية على الحل وشائكة ومعقدة بطريقة لا يمكن تفكيكها واعادتها إلى عناصرها.

مشكلات الايسلنديين هي مشكلات حياة في طور النماء والانفتاح على المستقبل وهي لا تمت بصلة إلى الماضي الذي لا تزال شعوب أخرى ترتجف في مواجهة فجائعه ومآسيه. فالايسلنديون لا يلتفتون إلى الوراء إلا من أجل دراسة التاريخ. أما حياتهم فإن خبراتهم المعرفية المتراكمة هي التي تبينها وتصونها وتقوم السلبي فيها بمنهج نقدي شفاف.

ما يجهله الصومالي عن حياة الايسلندي وسواه من الغربيين لا يتعلق بطرق العيش واساليبه فتلك مسألة مقدور عليها، بل يتعلق بطرق وأساليب التفكير في الحياة وأسبابها.

فليس من التبخيس في شيء إذا ما قلنا إن حياة الصومالي لا تستحق أن تُعاش. بل أن مفردة "حياة" تبدو اصطلاحا مجازيا إذا ما تعلق الأمر بذلك النمط من العيش.

لقد تم تفريغ الحياة من أسبابها فصارت عبئا على مَن يعيشها. صارت الحياة في حد ذاتها هي المشكلة. أن يعيش المرء فذلك يعني مزيدا من الشقاء والتعاسة والألم والضنى. حتى وإن كانت قصيرة فإنها فائضة يسبب خوائها وخلوها من أي معنى.

في نهاية حياته يحق للايسلندي أن يقول "لقد عشت" هناك ما لا يُحصى من العلامات التي تشير إلى مروره. بصمته لا يمكن إخفاء أثرها وستكبر فيه الأجيال القادمة قدرته على التجدد والابتكار في فكره كما في أفعاله.

اما الصومالي، مثله في ذلك مثل كل المبتلين بكارثة عزوفهم عن الحياة الحقة ستكون ذكراه رثة في مماته كما كانت مسيرته رثة في حياته. فلا أظنه يتذكر في نهاياته أن يقول جملة من نوع "لقد عشت" ذلك لأنه يشك أنه كان حيا يوما ما.

لا يكمن الفرق بين الصومالي والايسلندي في الدرجة بل في النوع. وهنا بالضبط تقع المأساة التي لم يستوعب الكثيرون عمق دلالتها.

فحين تنحط قيمة الإنسان في مكان ما، يحدث ان يتخلى الإنسان عن إنسانيته. وبهذا يكون كائنا آخر، كائنا يحتاج إلى استعادة الكثير من المقومات والعناصر والصفات لكي يكون مرة أخرى إنسانا.

وكما أرى فإن الإنسان في العالم العربي تعرض عبر عقود من السنوات إلى ضغوط، افقدته الكثير من سمات وعناصر تكوين الإنسان السوي. بدءا من خياله وانتهاء بكرامته مرورا باستقلاله وحريته وتعففه ونزاهته ورغبته في المعرفة وتسامحه وتعاليه عن الصغائر وعزوفه عن الكراهية ورغبته في أن يكون محبا ومحبوبا.

لقد أعيد ذلك الإنسان إلى غرائزه، فصار كائنا غريزيا، يكمن معنى حياته في ما يملك ولا يهمه الآخرون في شيء، بعد أن أعيدت المجتمعات إلى ما كانت عليه قبل العصر الحديث، مجرد تجمعات بشرية.

ليست الصومال ايسلندا. هذا صحيح. غير أن الصومالي وقد حرم الحق في أن يكون حيا في حياته لن يكون ايسلنديا حتى وإن عاش الجزء الأكبر من تشرده في ايسلندا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
المزيد

 
>>