First Published: 2016-08-28

'حماس' في غزة... الحيوان قبل الانسان

 

الشعارات الطنانة تطرد الحيوان بعد ان نغصت حياة البشر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

يعطي نقل الحيوانات التي كانت موجودة في حديقة في غزّة الى إسرائيل فكرة عن الحال المزرية التي يعيش في ظلّها اهل القطاع منذ قرّرت "حماس" الاستيلاء عليه في مثل هذه الايّام من صيف العام 2007. وُجد اخيرا من يرأف بساكني حديقة الحيوانات في غزة، ولم يوجد للأسف من يرأف باهل غزّة الذين تحولوا في السنوات التسع الأخيرة مادة تجارة لا اكثر بعد وضع "حماس" يدها على القطاع بدعم إيراني مكشوف في البداية. استهدف هذا الدعم تعطيل أي امل، ولو ضئيل في تحقيق سلام من جهة واستخدام القطاع قاعدة للانقضاض على مصر من جهة اخرى.

أخيرا، قررت سلطة الامر الواقع في القطاع اغلاق حديقة الحيوانات التي كانت موجودة في خان يونس بحجة انّه لم تعد لديها القدرة على توفير العناية بسكان هذه الحديقة ولا الامكانات المادية لذلك. انتقل ما بقي من الحيوانات، وبينهم نمر وخمسة سعادين، الى إسرائيل عن طريق معبر اريتز. كان هناك من استقبل الحيوانات وعددهم خمسة عشر بحفاوة. قسم سيبقى في إسرائيل وقسم آخر سينقل الى الأردن وجنوب افريقيا. تبيّن في نهاية المطاف ان هناك من هو مهتم بالحيوانات اكثر بكثير من اهتمامه بالمواطنين في غزّة الذين يعانون من حصارين. حصار "حماس" والحصار الإسرائيلي الذي ليس ما يشير الى نهاية قريبة له.

ليس عيبا ان تكون هناك رأفة بحيوانات حديقة خان يونس. مثل هذا التصرّف يشير الى شعور انساني في عالم ضاق بأهل غزّة من الآدميين ولم يعد يعرف ماذا يفعل بهم، باستثناء اذلالهم يوميا ونشر الجهل والتخلف بكل اشكالهما في صفوف الشباب الغزاوي.

مجرّد وجود مثل هذه الحديقة كان دليلا على وجود وجه حضاري لغزّة بعيدا عن ذلك الظلم والظلام والظلامية لدى "حماس" التي لديها شبق الاخوان المسلمين الى السلطة. وهو شبق ليس بعده شبق. كانت حديقة الحيوانات من مظاهر التقدم في غزّة التي تحمّلت الكثير تاريخيا بسبب ضيق مساحة القطاع والكثافة السكانية فيه، وهي كثافة من النوع النادر في العالم. هناك دراسات جدّية تؤكّد ان قطاع غزة لن يعود مكانا قابلا للحياة مع حلول السنة 2020.

من صنع مأساة غزّة حيث صار الحيوان يتقدّم على الانسان؟ هناك عوامل عدّة أدت الى وصول وضع القطاع الى ما وصل اليه، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ان آلاف العائلات هاجرت الى غزة من فلسطين بعد النكبة، عندما بدأت تظهر المخيمات في القطاع الذي بقي تحت السلطة المصرية حتّى العام 1967.

هذا كان في الماضي. لكنّ التاريخ الحديث يقول انّ غزة بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى شهر آب ـ أغسطس من العام 2005، وذلك على الرغم من ان هذا الاحتلال كان يتمنى لو يجد البحر طريقة لابتلاع القطاع بمن فيه...

قرّر ارييل شارون، عندما كان رئيسا للوزراء الانسحاب من غزّة. تخلّى حتّى عن المستوطنات التي اقامتها إسرائيل وعن الأبنية والمنشآت التي كانت فيها. رحل الاحتلال عن غزّة من اجل تحقيق اهداف عدة لم يخفها مدير مكتب شارون وقتذاك وكان اسمه دوف فايسغلاس. قال فايسغلاس في حديث الى صحيفة "هآرتس" انّ شارون انسحب من القطاع "من اجل الإمساك بطريقة افضل" بجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

لعبت "حماس" الدور المطلوب منها إسرائيليا. استثمرت في فوضى السلاح في وقت أظهرت السلطة الوطنية الفلسطينية ضعفا فاضحا ان على الصعيد السياسي وان على الصعيد الأمني. اكثر ما يؤسف له ان القيادة الفلسطينية، ممثلة برئيس السلطة محمود عبّاس (أبو مازن) غابت عن غزّة بدل ان تكون حاضرة اكثر من ايّ وقت. ربّما كان "أبو مازن" منهمكا في ترتيب أوضاعه الداخلية، اذ عندما انسحبت إسرائيل من كلّ غزّة الى الحدود الدولية لم تكن مضت سنة على وفاة ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني الذي كان ارتكب خطأ تاريخيا تمثل في عسكرة انتفاضة العام 2000، ما سهل وصول ارييل شارون، عدوّه الشخصي، الى رئاسة الحكومة.

في كلّ الأحوال، فوتت "حماس"، التي ما لبثت ان انتصرت على "فتح" وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية، كلّ فرصة لتحويل غزّة الى نموذج لما يمكن ان تكون عليه الدولة الفلسطينية المسالمة التي تهتمّ برفاه الفلسطينيين وحتّى بحديقة الحيوانات في خان يونس. استطاعت "حماس" التي كانت مهتمة بتحويل غزّة بؤرة للارهاب تقديم كلّ الخدمات المطلوبة إسرائيليا وذلك بدءا بالشعارات التي اطلقتها من نوع ان "فلسطين وقف إسلامي". لم يوجد بين قياديي الحركة شخص عاقل يتساءل كيف يمكن تحرير فلسطين انطلاقا من غزّة؟

في الواقع، استخدم شارون الصواريخ التي كانت تطلقها "حماس" واتباعها مثل "حركة الجهاد الإسلامي" من غزة ليقول انّ "لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه". سار بنيامين نتانياهو على الخط ذاته. لا يزال رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي يستخدم هذا الشعار للهرب من خيار الدولتين، فيما العالم يصفّق له كلّما ردّ على صاروخ او قذيفة تطلق من غزّة.

في السنة 2016، هناك من يهتمّ بحيوانات غزّة، فيما اهل غزة في حكم المنسيين. هذه هي نتيجة سنوات طويلة من حكم "حماس" للقطاع. استطاعت "حماس" تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني. لم يعد في غزّة من مكان لشاب يضحك او لفتاة تلهو. لا وجود سوى للسواد والفقر والبؤس. لم يعد في غزّة جامعة او مدرسة يدور فيها حوار على علاقة بما يدور في العالم. كلّ ما هناك حصار مستمرّ على غزّة يطال الانسان ولا يطال الحيوان. هذه نتيجة طبيعية لممارسات تقوم على احتقار كلّ ما هو حضاري في هذا العالم من جهة ورفع الشعارات الطنانة التي تخدم إسرائيل من جهة أخرى.

خاضت "حماس" سلسلة من الحروب مع اسرائيل في غزّة. كان همّها في كلّ حرب من هذه الحروب احراج مصر ولا شيء آخر غير ذلك. فشلت في ذلك فشلا ذريعا. كلّ ما حققته الحركة كان ضمان استمرار الحصار الذي هو مصلحة حمساوية ـ إسرائيلية في كلّ وقت من الاوقات.

بعد اطلاق سراح حيوانات حديقة خان يونس، الا يوجد في "حماس" قيادي واحد يطرح على نفسه سؤالا جريئا في غاية البساطة من نوع: هل يستأهل الإبقاء على "امارة غزّة" الطالبانية كلّ هذه التضحيات من الانسان الفلسطيني المقيم في القطاع، علما انّ هذا الانسان صار يتمنّى لو كان مقيما في حديقة الحيوانات... قبل ان تغلق أبوابها؟

 

خيرالله خيرالله

الاسم ابو عبدالله
الدولة الأردن

لم لا نقول أن ما كان ينفق على حديقة الحيوانات، تستغله حماس لإنفاقه على المحتاجين في غزة، وهذا ينفي حجة الكتابة في تقديم مصلحة الحيوان على الإنسان، مع أن كلاهما ينبغي الرأفة به في الأحوال كافة.

كما أنك في مقالك سيد خير الله، تناسيت المشكلة الأصلية التي منب

2016-08-29

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ترامب وايران... وخدعة الملفّ النووي
2017-09-24
حماس ادّت المهمّة...
2017-09-22
حماية لبنان
2017-09-20
بداية جديدة للحرب السورية... والجولان المنسي
2017-09-18
الاكراد والمخاضان العراقي والاقليمي
2017-09-17
الحوثيون وإعادة كتابة تاريخ اليمن
2017-09-15
وضوح ليس بعده وضوح في لبنان
2017-09-13
كوريا الشمالية... امتحان فاصل لترامب
2017-09-11
هل تقاوم صنعاء... كما تفعل بيروت
2017-09-10
مشكلة ايران مع السعودية
2017-09-08
المزيد

 
>>