First Published: 2016-08-28

بندقية الداعشي القتيل كقلم المراسل الصحافي

 

الذي حدث للمراسل البريطاني وبندقية الداعشي القتيل لا يحدث إلا بسبب كونه حدث في العراق! حيث افتقدت وسائل الإعلام إلى الحساسية والدرجة المقبولة من المسؤولية تحت سطوة الأحزاب الدينية الحاكمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لست من الذين يميلون إلى التهكم والسخرية من الصحافيين في العراق اليوم بوصفهم جزءا من المشهد السياسي والديني الرث القائم، بل أرى أنهم يحتاجون إلى التعاطف ممّن يعيشون مثلي في حرية صحافية مثالية، أكثر من أي ملامة، لأنهم ببساطة عاجزون عن أن يكونوا شهودا محايدين في وسط فوضى تغمر البلاد.

الصحافي العراقي يروج اليوم لرجل الدين والسياسي الطائفي ويقدمهما بفكرة غير قادر على الدفاع عن محتواها أمام المتلقي، فهو ضحية وضع ملتبس وفاسد، ولم تتح له الفرصة كي يتعلم بشكل واضح أن الصحافي لا يقول أنا فعلت، بل بكل تواضع سمعت وشاهدت!

أستطيع أن أدافع عن هذا الرأي المتعاطف لا المتهكم على عدم موضوعية ما يكتبه الصحافيون العراقيون اليوم تحت وطأة سيطرة الميليشيات الطائفية والأحزاب الدينية، بمثال لصحافي بريطاني أتيحت له من التجربة وتعلم حساسية القيم المهنية، ما لم يتح لأي من صحافيي العراق اليوم.

لكنه ببساطة ارتكب أشنع مما يرتكبه الصحافيون العراقيون وهم يقدمون أخبارهم أقرب إلى صورة تقبيل أيادي رجال الدين! فقد وقف مارك نيكول مراسل صحيفة ميل أون صنداي البريطانية في شمال العراق متباهيا بحمل بندقية عنصر من داعش بعد مقتله. كانت تلك الصورة المثيرة للجدل شاهدة على تقريره المنشور هذا الأسبوع “الإرهاب على نهر دجلة”.

يمكن ببساطة تفسير هذا الفعل المشين لأنه صادر عن أرض العراق حيث غلفت الرثاثة المشهد برمته ولم تعد للقيم المهنية مساحة، مثلما يلتقط صحافيون عراقيون صورا للمباهاة مع قتلة من طراز “أبوعزرائيل” و”أبودرع”، سمح المراسل البريطاني لنفسه بأن يمارس مثل هذا الفعل الشنيع بدلا من أن يكون شاهدا محايدا!

ألم يكن المراسلون البريطانيون يتهكمون على زملائهم العراقيين وهم يهتفون إلى بول بريمر أو يصفقون إلى نوري المالكي! لم يجد مارك نيكول غير تسويغ أنه حمل بندقية الداعشي القتيل على مضض بناء على نصيحة عناصر البيشمركة الكردية التي كان يرافقها في تغطية القتال الدائر على حدود مدينة الموصل.

انتشرت الصورة بشكل مثير بين المراسلين الأجانب بعد نشرها في الصحيفة البريطانية الشعبية واسعة الانتشار، مثيرة الجدل المعهود عما إذا كان الصحافي شاهدا محايدا أم جزءا من الحرب الدائرة؟ الأمر الذي دفع هيئة تحرير الصحيفة لاحقا إلى إزالتها من الموقع بعد أن شعرت بأنها غير مناسبة، مبدية غضبها من مارك نيكول لأنه لم يرسل لإدارة التحرير غير تلك الصورة!

وتساءل توم راينر مراسل شبكة سكاي نيوز عمّا إذا كانت تلك الصورة تضع جميع المراسلين في خطر، فيما وصف فون سميث المراسل الحربي السابق، نشرها بالمروّع الذي يفتقد إلى الحكمة.

وقال سميث، الذي أسس نادي المراسلين الأجانب في لندن، إن خطر نشر مثل هذه الصورة يهدد الصحافيين الشجعان في الخطوط الأمامية للقتال، لأن الجماعات المسلحة تتهم بالأساس المراسلين الأجانب بالمشاركة في الصراع وليس بكونهم مراقبين محايدين.

وتتساءل صحيفة الغارديان في تعليقها على نشر صورة المراسل مارك نيكول مع بندقية الداعشي القتيل، عن الذي كان يفكر به وهو يحمل تلك البندقية بدلا من أن يكون قلمه السلاح الأكثر موضوعية.

مع ذلك يمكن تفسير كل الذي حدث، بطبيعة المكان وتداعياته والتناقضات التي تغلف المشهد العراقي برمته، فمثل الذي حدث للمراسل البريطاني وبندقية الداعشي القتيل لا يحدث إلا بسبب كونه حدث في العراق! حيث افتقدت وسائل الإعلام إلى الحساسية والدرجة المقبولة من المسؤولية تحت سطوة الأحزاب الدينية الحاكمة، وأصبح الصحافي هناك مشاركا في صوت القطيع وليس شاهدا عليه.

سبق وأن اعتبر جيريمي بوين مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط، الحماس بأنه قد يفسد أو يصيب، ومثل فعل المراسل مارك نيكول، أفسد لأنه نتاج بيئة سياسية فاسدة تنتج بالضرورة مشهدا إعلاميا فاسدا. ويقول بوين، إن تهديدات تنظيم داعش تجعل “حتى الصحافيين الأكثر ميلا للمغامرة والأكثر جرأة” يفكرون بجدية حول ما إذا كان العمل هناك يستحق المخاطرة.

كانت المسألة في النظر إلى المخاطرة بالذهاب إلى أماكن الصراع والحروب، والتكلفة الغالية التي يدفعها المراسلون، وبعد صورة مراسل ميل أون صنداي مع بندقية الداعشي القتيل، صارت المسألة في النظر إلى مهنية المراسلين الأجانب في العراق!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>