First Published: 2016-08-29

كل شيء مؤجل في انتظار المعجزة

 

لم يترب العرب على السياسة الحديثة. تداولُ الأخبار شيء وفن/علم السياسة شيء آخر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

إذا ما استثنينا العراق، وهو حالة تاريخية، دخلت السياسة فيها طرفا طارئا، هو أشيه بمَن يعمل بإجرة يومية، فإن دولا عربية أخرى ضربها الربيع العربي بخريفه لم يستعد مواطنوها حتى اللحظة القدرة على استئناف حياتهم بطريقة سوية.

وكما يبدو فإن السقف الذي سقط قد زعزع سقوطه الجدران كلها فلم يعد البيت قائما.

وهو ما استفاد منه سكان العالم السفلي. المتطرفون، ممن وضعوا نصب أعينهم الشماتة بالمجتمعات المدنية التي سبق لها وأن راهنت على خيار الدولة المدنية.

هو المرض العراقي نفسه، لكن بأقل فداحة في الخسائر. ولكن الفضيحة تبدو واحدة.

هناك شعوب أخرجت من القمقم، صارت تتمنى العودة إليه.

وما سبب ذلك إلا عجزها عن التعامل مع عالم السياسة، وهو عالم لم تتعرف عليه من قبل. ذلك لأنها ظلت عبر عقود مجرد رعية تنظر بإعجاب إلى حكمة زعيمها الملهم.

كان الحديث عن الحرية بالنسبة لها مجرد انشاء مدرسي.

لقد ابتلي العرب بالشعر، فكان عليهم أن يحيلوا الكثير من مفاهيم العيش المباشر إلى عوالم خيالية، هي مصدر متعة وتجل. اما أن توضع تلك المفاهيم في اليد، باعتبارها مفاتيح عمل وعيش يوميين، فذلك ما لا يمكن تخيل وقوعه.

حين سقطت الأنظمة الشمولية وقع المحظور.

هناك مَن تذكر السنوات الدامية التي أعقبت الثورة الفرنسية وهي كما أرى محاولة لتعليب الفوضى التي يعيشها العالم العربي بالهواء. لقد قيل الكثير من الهراء حين وقعت مصيبة احتلال العراق وها هو العراق يسير من سيء إلى أسوأ، من غير أن يكون هناك أي أمل بخلاصه.

حين نقول "لسنا فرنسيين" فذلك لا يعني استخفافا بالإنسان العربي. إنها حقيقة يقرها منطق التاريخ. هناك ما نعجز عن القيام به بطريقة الفرنسيين، لأسباب تتعلق بعلاقتنا بمفهوم الحرية. وهي أسباب شائكة، يحتاج المرء إلى الكثير من الفلسفة ومن علم الاجتماع والدراسات الإنسانية ليحيط بها.

هل كان الفشل السياسي متوقعا في العالم الغربي إذا ما سقطت أنظمة الاستبداد؟

لمَ لا نجرب أن نسأل الشيوعيين العرب عن أسرار فشلهم، وقد كان تاريخهم حافلا بالتضحيات والمعتقلات وحفلات الإعدام والمنافي والتشرد وترف الحياة المريحة في ظل الأنظمة الشيوعي السابقة في الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا؟

لو أن الشيوعيين اعترفوا بفشلهم لما احتجنا اليوم إلى البحث عن أسباب الفشل الذي تعيشه المجتمعات العربية، بعد أن قفزت من دولة الاستبداد إلى هاوية اللا دولة.

ولأن عبء السياسة ثقيل فلا يمكن توقع أن نرى خلاصا في المستقبل القريب.

لقد فعلت الشعوب ما بدا لها نوعا متاحا من الخلاص.

أسقط المصريون حسني مبارك والتونسيون أسقطوا بن علي واليمنيون أسقطوا صالح وحاول السوريون اسقاط شبح الأسد. وما كان عليهم وهم يلقون بأقدامهم في دروب الحرية أن يفكروا بالفشل.

ما لم يقع سببه خلو الحياة العربية من المعنى الحقيقي لمفهوم السياسة.

لم يترب العرب على السياسة الحديثة. تداولُ الأخبار شيء وفن (علم) السياسة شيء آخر. هناك الكثير من السخرية يقع، مصدره المجانية في النظر إلى السياسة، من جهة كونها صراعا بين الأطراف التي كانت نائمة في ظل الاستبداد.

وهو ما يعني أن هناك حربا أهلية، ظاهرة كما هو الحال في العراق وليبيا واليمن ومستترة تحت السطح المتوتر كما هو الحال في مصر وتونس. اما في سوريا فإن الخيار السياسي سيكون دائما مؤجلا، ما دامت الحرب الاهلية هي الحل الوحيد الممكن.

أهناك شيء غير المعجزة يمكنه أن يضع حلا لتلك الكارثة؟

اعتقد أن العرب نجحوا في التغلب على الكارثة عن طريق الانتظار. وهو ما يعني قبولهم في أن تظل حياتهم مؤجلة. وهو ما يرضي السياسيين الهواة الذي يمارسون هواياتهم المسلية في الزمن الضائع كما فعل وزير التموين المصري.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>