First Published: 2016-08-30

إيقاع على مقام البطيخ

 

من يتأمل لوحات جواد سليم وكيف رسم شريحة البطيخ الأحمر بيد المرأة أشبه بزورق صغير وكأنه ينقل مقطعا من الوجه المستدير للبغدادية في قطعة فاكهة حمراء، يكتشف السر التاريخي في جمال هذه الفاكهة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

البطيخ طعام الفقراء عند حافظ الدروبي

عفوا، هل يمكن أن أسألك عما تسمعين؟ كانت السيدة الإنكليزية الستينية تسأل بنوع مؤدب من الاستغراب امرأة بدت عربية في السوق الكبير وهي تضرب بيدها على قشرة البطيخة الحمراء قبل أن تختارها.

للبطيخ حكايات تاريخية، وقصة تسميات معاصرة، ففي كل بلد عربي له اسم من دون أن يفقد حلاوته، فهو عند أبناء المغرب العربي "دلاع" وعند دول الخليح "جح" وعند بعض السوريين "جبس" و"رقي" عند العراقيين، لكن جميع المشترين يضربون قشرة الفاكهة المنعشة بمثل رقة عازف إيقاع، أو يمسدون ظهرها من أجل تصديق الوهم بداخلهم والتعرف على لب البطيخة حمراء كانت أم بيضاء.

لا يوجد تفسير علمي لظاهرة تربط الصوت الناتج عن ضرب قشرة البطيخ مع نضوجه من الداخل، فهو ضرب من التخمين، لم يكن مدعاة للخلاف وظل مقبولا لطرافة العملية.

تقاليد البيع والشراء تغيرت، والبطيخ صار يباع بشرائح مقسمة حمراء لا تتطلب الطريقة الفلكلورية لضرب الإيقاع على قشرته من أجل فكرة وهمية أساسها التخمين ولا علاقة لها بالصوت الناتج عن التربيت على ظهر البطيخة. إلا أن السيدة العربية في السوق الإنكليزي الكبير لم تتخلص مما علق في ذاكرتها وهي تختار بطيخة صغيرة أقرب إلى كرة قدم الأولاد الصغار. وصادف أن تكون تلك السيدة الإنكليزية جوارها لتطلق سؤالها اللطيف.

لم أعرف ما دار بعدها من حديث بين السيدتين العربية والغربية في السوق اللندني الكبير، لكن المشهد برمته يدعو بلا شك إلى التطفل، مع أني لا أتوقع أن الضاربة على إيقاع البطيخ لمعرفة نضوج أحشائه، لديها ما تجيب به السيدة البريطانية عن سؤالها اللطيف.

البطيخ الأحمر فاكهة تاريخية ظهرت رسوماتها في آثار بلاد النهرين في الألف الثالث قبل الميلاد، مثلما تحدث العرب عنها في مصادرهم، إلا أن التاريخ المعاصر ينسب اكتشافها في جنوب أفريقيا ومنها انتقلت إلى أوروبا وبعدها إلى أميركا. واليوم يتفنن اليابانيون بزراعته فثمة بطيخ مكعب ومربع ولم يعد كرويا أو بيضويا فقط.

من يتأمل لوحات حافظ الدروبي أو جواد سليم وكيف رسم شريحة البطيخ الأحمر بيد المرأة أشبه بزورق صغير وكأنه ينقل مقطعا من الوجه المستدير للبغدادية في قطعة فاكهة حمراء، يكتشف السر التاريخي في جمال هذه الفاكهة.

زوارق جواد سليم

إنه وجه يحتفي بانحناءة دقيقة، ويقارب بين الزورق كواسطة نقل في الأنهار في شرائح حمراء تحتفي بشكلها.

البطيخ يترفع عن غرور الفاكهة النادرة، فهو ليس كالمشمش، ويقدم بكرم في المائدة ويسهم في صنع جمالية شكلها، ولأنه مرتبط بالصيف فهذا يعني أنه يسمو إلى درجة الماء.

لم تكن هذه الفاكهة من مقتنيات مائدة الأثرياء وحدهم، إنها طعام الفقير في ظهيرة الأيام الملتهبة، لذلك أحبها الناس كما لم يحبوا فاكهة أخرى، وربما من أجل ذلك تجد لها في كل بلد عربي اسما.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم أحمد فضل شبلول
الدولة مصر

أفادك الله يا صديقي

2016-08-30

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء
2017-01-22
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
المزيد

 
>>