First Published: 2016-08-31

خالد العبيدي: البقاء للأصلح!

 

الدين ضد الفساد. ولكن أنظر كيف تتصرف أحزاب السلطة الدينية في العراق، الأخوان مع السلطة التشريعية والدعوة مع السلطة التنفيذية. فساد في فساد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

ما يجري بالعراق اليوم لا يقبل قانون «البقاء للأصلح»، بل ما تحقق على أرض الواقع نقيضه «البَقاء للأفسد». لكن لا نخال أن عقداً أو عقدين من الزمن حقق للفاسدين البقاء أنه قانون ثابت، ويدخل اليأس النُّفوسَ، فهذا المنطق ضد العدل الإلهي والإنساني، وضد طبيعة الأشياء، التي لا تنمو في التربة الفاسدة، كالمهزلة العراقية الجارية، ومختصرها: «فساد يغذي الإرهاب وإرهاب يحمي الفساد».

أتذكر خطاب ذلك السياسي في حفل انتخابي (2010): «يريدوننا أن نترك ديننا، يريدوننا أن نترك مرجعيتنا»! فلا ترك الناسُ دينهم ولا طالبوه بترك دينه ومرجعيته، لكنه النفاق باسم الدين، ولم يخطئه قول الفرزدق (ت110)، عندما برّأ ذمته مما فعله حاشيته من سرقة كبرى وجريمة قتل: «وإن أبا الكرشاء ليس بسارقٍ/ ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ» (الأبشيهي، المستطرف).

أخذ المكتوون بنار الفساد وتغذيته للإرهاب يتطلعون إلى النصر عليه، وهم يرون وزير الدفاع الضابط القدير خالد العبيدي، وقد حوَّل استجوابه في البرلمان إلى استجواب لمستجوبيه: بين طالب تمرير صفقة أسلحة فاسدة، وتلك التي طلبت عمولة، وأخرى أتته بقائمة لتعيينات في وزارته، وأحد المبتلين كان رئيس النواب، وجرى الاستجواب أمام الملأ، والرجل كان عاضاً بنواجذه على كرامته، قائلاً لهم: «أنتم دمرتم العراق». فلو خنع لطلباتهم لحجبوا عنه الاستجواب! ومن مآثر العراقيين أن الوزير استقبل بالأعظمية والكاظمية استقبال المنتصرين، كي يثبتوا أن الطائفية عكاز الفاسدين.

بعدها بساعات تعقد المحكمة العليا وتعلن براءة البرلمانيين، ويسافر رئيس المجلس إلى طهران لتقديم الشكر. فلا خافية في الأمر، كلما قُدحت شرارةٌ ضد الفساد تُطفأ بطهران. فعندما احتشد المتظاهرون (2015) مطالبين بمحاسبة المالكي على ضياع مئات المليارات وضياع ثلث أراضي العراق، تسلل تحت جنح الليل إلى طهران، وعاد مستأسداً بها، وها هو الإخواني سليم الجبوري يزورها، ويعود بإقالة وزير الدفاع. وعندما احتشد المتظاهرون أمام القضاء الأعلى زارت شخصيتان من أخطر رجال إيران بالعراق، رئيسَ السلطة القضائية، وأبلغتاه حماية ميليشياتهم له، ولو كان يعرف الخجل ما قَبل بهذه الحماية.

أليس لنا أن نعتبر أن إيران تدعم الفساد، وبذلك لا يتحقق قانون البقاء للأصلح قبل زوال نفوذها؟ نحاول إيجاد عذر لإيران، فهي تساعد بحل المعضلات السياسية، لكن ما حصل كان حلاً لمعضلات الفاسدين! فهل معنى هذا أن المتظاهرين مجرد مشاريع ضحايا؟ إذا استصعب الأمر وتفاقم يحلق الناشطون مَن اغتيلوا وسُجلت الدماء ضد مجهول، بينما شاربوها يحكمون!

إذن، صار الفساد محمياً، وبقوة غاشمة، لهذا يدافع الفاسدون بشدة عن صورة الولي الفقيه ببغداد، وداخلياً تحميه السلطة القضائية نفسها، وبذلك سيتحقق لزمن قادم قانون «البقاء للأفسد»، وإلا هل من المعقول أن يبرأ رئيس النواب، وبهذه السرعة، ويُحاسب وزير الدفاع ويُبعد عن الوزارة، في وقت فيه الجيش العراقي يُقاتل على تخوم الموصل؟!

جاء على لسان رئيس الوزراء العبادي معلقاً على فساد سلفه: «استلمت الخزينة فيها ثلاثة مليارات، ومديونون خمسة عشر ملياراً، أمقبول أن تضيع الثروة على البذخ وزيادة العطاءات من قبل القائد الضرورة؟ هذه أموال الشعب، مو (ليس) صحيح تصرف الثروة من أجل إعادة الانتخاب» (يقصد المالكي). لكن أخيراً أُسكت العبادي وأُقيلَ الوزير.

يدير الإسلاميون البلاد، التشريع بيد «الإخوان» والتنفيذ بيد معادلهم المذهبي «الدعوة»، وكلاهما يعتبر الدِّين أولاً، لكن هذا الدِّين موقفه صارم من الفساد، لمَن يقرُّ بالكتاب والحديث أو من يقرُّ بالاثنين ونهج البلاغة. ففي الكتاب وردت كلمة «الفساد» ومشتقاتها أكثر من خمسين مرة، وما عبرَ عن الحال: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ» (البقرة:11). نسأل العبادي: هل ما حصل من بذخ بفعل فاسد أم سفيه؟ الآية تقول: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ»، وفي الحالتين لا يصلح من قصده العبادي ولاية الأموال. أما مفردة الفساد في الحديث النبوي الشريف، وبمختلف المقاصد، فلا تعد ولا تُحصى. ووردت كلمة «الفساد» ومشتقاتها في «نهج البلاغة» أكثر من عشر مرات، وأمضاها: «لا يَستَكْبِرُون ولا يَعْلُون ولايَغُلُّون ولايُفْسِدُون» (192 الخطبة القاصمة)، وأي واحدة منها لم يفعلها المعتقدون بهذه النصوص خلال الثلاثة عشر عاماً؟! وعلى أي اتجاه يحسبون، ونقرأ في مدوناتهم فخراً بانتصارهم الإسلامي؟!

أخيراً، وحسب ما تقدم من حماية أجنبية للفاسدين، نرى البرلمانيين وأصحاب المراكز كأنهم يستلمون رواتبَ من أجل الإفساد وخدمة حاميهم، وأبلغ القول على لسان أبي فرات: «أعَرَفتَ مملكةً يُباحُ شهيدُها/ للخائنينَ الخادمينَ أجانبا؟/ مستأجَرِينَ يُخرِّبونَ دِيارَهُمْ/ ويُكافأونَ على الخرابِ رواتبا» (الوتري 1949). أقول نتفاءل بالشاعر نفسه بأن البقاء للأصلح: «والحالِمونَ سيَفْقَهون إذا انجلَتْ/ هذي الطُّيوفُ خوادعاً وكواذبا/ لا بُدَّ عائدةٌ إلى عُشَّاقِها/ تلكَ العهودُ وإنْ حُسِبنَ ذواهبا».

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!
2017-02-08
مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف
2017-02-01
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
المزيد

 
>>