First Published: 2016-08-31

استبدال لسفير... ام استبدال لبغداد

 

ليست المسألة استبدال سفير بمقدار ما انّها مسألة استبدال مدينة بمدينة أخرى عبر كلّ أنواع التطهير العرقي والمذهبي والطائفي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هل تريد الحكومة العراقية تغيير السياسة السعودية تجاه العراق ام تريد استبدال سفير المملكة في بغداد ثامر السبهان لتأكيد ما لم يعد في حاجة الى تأكيد أي، ان العراق صار تابعا لايران؟ تلك هي الرسالة التي يبدو ان الحكومة تريد توجيهها الى كلّ من يعنيه الامر. فحوى الرسالة ان المسألة ليست مسألة سفير سعودي معيّن في عاصمة معيّنة بمقدار ما انّها مسألة مرتبطة بسياسة تتبعها المملكة التي تدرك تماما خطورة ما يجري في العراق.

الواضح ان هناك ما هو ابعد من طلب عراقي وقح بتغيير السفير السعودي الذي لا يقول شيئا غير معروف عن التدخل الايراني في العراق ومدى سيطرة الميليشيات المذهبية على مرافق الدولة ومؤسساتها. انّه تدخل يعبّر عنه كلّ يوم رئيس الحكومة حيدر العبادي الذي ليس ما يشير الى انّه يختلف في شيء عن سلفه نوري المالكي الذي اخذ على عاتقه تحويل العراق مستعمرة إيرانية. الدليل على ذلك انّ مسؤولا عسكريا ايرانيا هو الجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" يدير ميليشيات عراقية تسمّى "الحشد الشعبي" تخوض معارك في العراق. كيف يمكن لدولة مثل المملكة العربية السعودية السكوت عن تحول العراق، الذي كان الى ما قبل فترة قصيرة دولة عربية، الى مجرّد مستعمرة إيرانية، بكل ما في كلمة مستعمرة من معنى؟ هل يمكن لدولة مثل السعودية تجاهل الانعكاسات الناجمة عن مثل هذا التحوّل على امنها الوطني وعلى التوازن الإقليمي؟

هناك إصرار لدى الحكومة العراقية على قول الامور كما هي من دون مواربة. وهذه نقطة تسجّل لحكومة العبادي التي لا تتردد، خصوصا عبر وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، عن السير في الخط الايراني بشكل اعمى. لذلك ليس مستغربا ان يقول السفير السعودي في بغداد الامور كما هي أيضا. المسألة ليست مرتبطة بالسفير السعودي الذي اسمه ثامر السبهان. أي سفير سعودي في بغداد سيتصرّف بالطريقة نفسها. السفير يعبّر عن السياسة العامة للبلد الذي يمثّله، في اطار خطوط عريضة وتوجّهات مرسومة له، لا اكثر ولا اقل، أي من دون زيادة او نقصان. هل يستطيع السفير، أي سفير، الاتيان بتصريحات ومواقف معيّنة من بيت ابيه؟

اذا كانت الحكومة العراقية تريد الوصول الى موقف سعودي مختلف حيال ما يجري في العراق، يتوجّب عليها قبل كلّ شيء اثبات انّها حكومة تعمل في بلد مستقلّ وليس مجرّد تابع لإيران. هذا كلّ ما في الامر. هل تستطيع الحكومة العراقية التصرّف من هذا المنطلق؟ ذلك هو السؤال الأساسي، فيما التركيز على السفير السعودي، بغض النظر عن اسمه، ليس سوى محاولة للهرب من الواقع ومن الحال التي يعاني منها العراق.

بعد الدعوة الى استبدال السفير السعودي، لم يعد من شكّ في عمق الازمة التي يعاني منها العراق، وهي ازمة عائدة اوّلا وأخيرا الى وضع ايران يدها على البلد، نتيجة الحرب الاميركية التي اصرّ عليها جورج بوش الابن في العام 2003. ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لتلك الحرب التي كانت ايران شريكا فعليا فيها على كلّ المستويات. لم تكن شريكا عبر التسهيلات العسكرية التي قدّمتها للولايات المتحدة فحسب، بل كانت شريكا في صياغة مستقبل العراق، على أسس طائفية ومذهبية أيضا.

مرّة أخرى، لا بدّ من العودة الى مؤتمر لندن الذي عقدته المعارضة العراقية في كانون الاوّل ـ ديسمبر 2002 من اجل الاتفاق على الأسس التي سيقوم عليها النظام الجديد بعد اسقاط الاميركيين لصدّام حسين. كانت رعاية المؤتمر أميركية ـ إيرانية. جاء اعضاء وفد المعارضة العراقية وقتذاك الى لندن من طهران في طائرة واحدة. كان أعضاء الوفد من الاكراد والشيعة في تلك الطائرة. كان الهدف من المؤتمر التوصل الى بيان هو الاول من نوعه عن "الأكثرية الشيعية في العراق" وعن الصيغة "الفيديرالية" لعراق ما بعد صدّام حسين.

كلّ ما ارادته ايران هو البيان الذي يتضمن هو ورود عبارة "الأكثرية الشيعية في العراق". كان ذلك ثمن سماحها لفصيل مثل "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" بالمشاركة في المؤتمر.

ما نشهده اليوم هو فصل آخر من فصول وضع اليد الايرانية على العراق، بما في ذلك الاعتراض على وزير المال هوشيار زيباري، الكردي الذي سعى ان يكون وزيرا لكلّ العراقيين والدفاع عن هامش للمناورة خاص بالعراق، خصوصا عندما كان وزيرا للخارجية. هناك الآن محاولات مكشوفة لاخراج زيباري من الحكومة وذلك من اجل اثبات ان من يحكم العراق هو "الحشد الشعبي"، أي "الحرس الثوري" الايراني.

ليس طلب استبدال السفير السعودي رسالة الى المملكة فحسب، بل هو رسالة الى جميع العرب والى القوى الدولية، على رأسها الولايات المتحدة أيضا. فحوى الرسالة انّه مثلما ان "الحرس الثوري" يحكم ايران في ظل عباءة "الوليّ الفقيه"، فانّ "الحشد الشعبي"، وهو مجموعة ميليشيات مذهبية تابعة لاحزاب عراقية تعمل لدى ايران، هو من يحكم العراق.

كلّ ما في الامر انّ العراق صار في مكان آخر. كانت إعادة فتح السفارة السعودية في بغداد وارسال سفير الى العاصمة العراقية مناسبة للتأكّد من ذلك. ربّما للتأكد من ان ظهور "داعش" في العراق كان الهدف منه ظهور "الحشد الشعبي" أيضا وذلك كي يتابع الايرانيون عملية استكمال السيطرة على العراق بالاعتماد على الغرائز المذهبية.

ليس الموضوع موضوع استبدال سفير عربي في بغداد، وذلك على الرغم من انّ السفير السعودي ارتكب خطيئة وضع يده على الجرح. الموضوع موضوع استبدال بغداد ببغداد أخرى. انهّ انتقام من هذه المدينة بالذات بكلّ ما مثلته عبر تاريخها الطويل والعريق، كمدينة لجميع العراقيين من كل المذاهب والطوائف والقوميات.

هل يمكن للعراق استعادة بغداد يوما، بغداد السنّية والشيعية والمسيحية والعربية والكردية والتركمانية...؟ ذلك هو السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح بعدما كشف السفير ثامر السبهان ما لم يعد سرّا عسكريا، أي سقوط بغداد في يد طهران وفي يد "الحشد الشعبي"، أي "الحرس الثوري" على الطريقة العراقية.

مرّة أخرى، ليست المسألة استبدال سفير بمقدار ما انّها مسألة استبدال مدينة بمدينة أخرى عبر كلّ أنواع التطهير العرقي والمذهبي والطائفي. اليس هذا ما يمارس حاليا في حمص بعدما مورس في محيط دمشق. لا تزال داريا شاهدا حيّا على هذه الممارسات التي تصبّ في نهاية المطاف في تنفيذ فكرة محدّدة هي القضاء على المدينة العربية في منطقة المشرق العربي.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الانتصار على لبنان عبر المتاجرة بالقدس
2017-12-13
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
المزيد

 
>>