First Published: 2016-09-01

عن مثلث الإرهاب والأزهر والثقافة

 

اخفاق مشترك للأزهر ووزارة الثقافة المصرية في القيام بدور التوعية والارشاد. معركة توجيه الاتهامات بالمسؤولية لا تقدم أو تؤخر في الواقع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الردود العنيفة التي خرجت من مؤسسة الأزهر على اتهام وجهه وزير الثقافة المصري، بشأن مسئولية التعليم الأزهري عن انتشار العنف، كشفت عن رغبة للتنصل من دور كان من المفروض أن تقوم به الوزارة والمشيخة لمحاربة التطرف، عبر رؤية متكاملة.

صحيح نفى أو تراجع الوزير حلمي النمنم عما نقل على لسانه، وتوارت العاصفة مؤقتا، لكن ذلك لم يلغ أن هناك إخفاقا مشتركا، فلا مؤسسة الأزهر قامت بالدور المنتظر منها في محاربة تيار المتشددين، ونشر الفكر الوسطي، ولا وزارة الثقافة بذلت جهدا حقيقيا للإعلاء من قيمة التنوير.

السحابة التي مرت قبل أيام، أكدت نقطتين، الأولى وجود تربص واستنفار بين عدد من مؤسسات الدولة، وعدم القدرة على التنسيق والتعاون بصورة إيجابية، ومحاولة التخلي بأي شكل عن الدور المتوقع من كل جهاز، بصرف النظر عن النتائج المجتمعية السلبية المترتبة على هذا السلوك، ما يعزز قناعات تتزايد يوما بعد يوم أن الجهاز الإداري في الدولة يعمل كجزر منعزلة في مجالات خطيرة.

النقطة الثانية، تتعلق بعدم الاهتمام بما يدور داخل المجتمع، من انتشار الخرافة والتطرف، والتنازل طواعية عن الدور الحضاري لمصر، فلم يبذل كثير من المسئولين جهدا لمواجهة الخزعبلات التي أصبحت تنخر في قاع المجتمع، وربما شريحة أعلى من ذلك، والسعي لمواجهة الأفكار المريضة، والتمهيد لدور قيادي ترغب فيه مصر، يعيد إليها مكانتها الثقافية التي تتآكل، بفعل تصرفات خاطئة، وحسابات قصيرة النظر، وأهداف شخصية ضيقة.

في وقت قامت فيه الأجهزة الأمنية (عسكرية وشرطية) بدور معتبر لمكافحة الإرهاب في سيناء وغيرها واقتلاعه من جذوره المسلحة، أخفقت وزارة الثقافة في القيام بمهمتها الرئيسية، في نشر الوعي بين عموم المصريين، وفشلت في استثمار الإمكانيات المتوافرة لها، لجذب فئات مختلفة من المواطنين إلى برامجها، وقطع الطريق على الجماعات التي تنخر في جسد المجتمع، واستثمار الحالة السيئة التي أضحى عليها تيار عريض من المتطرفين، وبدا تقاعسها كأنه تهيئة جديدة لتربة ترعرعت فيها من قبل عناصر هذا التيار.

كما تفرغت مؤسسة الأزهر للمعارك التي تدور حولها، عن قصد أو بدونه، وتركز همها على تأكيد السيطرة والهيمنة على الشئون الدينية، وهذا حقها، وفقا للدستور، لكن ليس من حقها أن تتجاهل الدور الإستراتيجي الذي يجب أن تقوم به، والخاص بنشر الوسطية والاعتدال، ومقاومة الأفكار الشاذة، التي ينثر بذورها متشددون، مستفيدون مما يمكن وصفه بـ "الاستهتار" في مواجهة خفافيش الظلام الذين يريدون تغيير الوجه المدني للدولة، وتوظيف الفراغ الناجم عن عدم قيام كل جهة بدورها الوطني كما يجب، والتراخي في التصدي لأصحاب الأفكار المنحرفة.

المؤكد أن الإنجازات التي تحققت على الأرض بنزع جزء معتبر من الأسلحة المادية بحوزة الإرهابيين، لن تتمخض عنها نتائج ملموسة على الأرض، ما لم يتم بتر الجانب المعنوي تماما، الذي يتغذى عليه أنصار هؤلاء، حيث يقومون باستغلال البيئة التي تعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن الخواء الثقافي، وكلها عوامل تساعد على مزيد من انتشار وتمدد العنف.

ربما تكون التراشقات التي تعالى صوتها الأسبوع الماضي، على إثر تصريح (نفاه) وزير الثقافة، كشفت عن عداء مزمن بينهما، حال دون التعاون حول التوصل إلى آليات متناغمة لمكافحة الإرهاب، مع أن القيادة السياسية في الدولة دأبت على طلب القيام بهذا الدور عبر دور ثقافي تنويري، وناشدت الأزهر النجاح في مهمته بشأن تجديد الخطاب الديني، باعتباره المدخل الأساسي لاقتلاع دابر الإرهاب وتطويق الأدوات التي تسهل دور الإرهابيين.

أما التفرغ لحرب تكسير العظام، واستغلال كل شاردة أو واردة لنيل كل طرف من الآخر، واتهامه بمسئوليته عما وصلت إليه البلاد، فكريا وثقافيا، فلن يكون مفيدا، بل يعطل التوجه نحو الإصلاح، ويفتح مجالا خصبا للانخراط في مشاكل وقضايا تبعدنا عن المعركة الفعلية، وهي معركة تطوير البيئة الثقافية، وتعميم التنوير من خلال القيام بجهود مقنعة، تجذب الناس إليها، وتنزع الأسلحة الاجتماعية التي تعتبر الرافد الحقيقي الذي يمول جماعات الإرهاب بالعناصر المحبطة.

ولأن المعركة طويلة وممتدة، ولن تكفي معها الأدوات الأمنية فقط، فمن المنطقي أن يتم التخلص من الخلافات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، والتي تطفو على السطح مع كل اختبار أو احتكاك، صريح أو ضمني، بين مؤسسة الأزهر، والمؤسسة الثقافية بمعناها الواسع، والتي تضم الوزارة بهيئاتها وقطاع عريض من المثقفين والمفكرين.

ولعل قضايا الحسبة وازدراء الأديان التي تزايدت في الآونة الأخيرة، ضد كتاب وأدباء ومثقفين، تعزز خطورة استمرار الصدام، وتستوجب التوقف عن ممارسة الاستعلاء المتبادل، والتعامل مع المسألة برؤية وطنية، تراعي مصالح الأمن القومي.

ليس مهم من يربح الخناقة الحارة أو من يعتذر لمن، لكن من المهم التكاتف لمنع مزيد من تغول الإرهاب، الذي تتجاوز تصرفاته الحدود المحلية، حتى أصبح يهدد كثير من دول المنطقة، لذلك فإن نقطة الانطلاق المركزية، تكمن في وضع تصورات مشتركة بين الأزهر والجماعة الثقافية، لمكافحة الشبح الذي يضرب في مجالات كثيرة، أشدها خطورة أنه تحول إلى سلاح بأيدي آخرين، يحاولون من خلاله ضربنا في مقتل.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>