First Published: 2016-09-02

داريا تقلق أبو الغيط..

 

فجأة صار الأمين العام للجامعة العربية مهتما بما يحدث في سوريا. انظروا ماذا يفعل السأم بكبار موظفي جامعة العرب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يعربُ الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن قلقه جراء الاتفاق الذي أُبرم حول مدينة داريا في الريف الدمشقي. أعلن أمرٓ "القلق" متحدثٌ باسم الأمين العام، فالأمر هامشيٌّ عرضي داخل المأساة السورية لا يستحق ظهور الأمين العام بشخصه في مؤتمر صحفي للتعليق على الحدث، ولا يستحق طبعاً دعوةً لوزراء الخارجية العرب ولا حتى اجتماعاً على مستوى المندوبين.

والحقّ يقال أننا فوجئنا بـ "موقف" أبو الغيط، ذلك أننا، في وجداننا، قد أعفينا منذ زمن "جامعة العرب" من أي دور أو وظيفة تتعلق بالموقف من الحرب في سوريا. استقال النظام العربي السياسي برمّته حين نجح في طرد مندوب النظام السوري من الجامعة ولم ينجح في إستبداله بمندوب لسوريا يمثّل معارضة هذا النظام. فأما وأن النظام السوري لم يعد يقبل بأي انخراط للجامعة العربية في شؤون سوريا، فقد استجابت الجامعة ونفضت يدها برشاقة من الوحول السورية، تاركة لإيران وتركيا وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة وغيرهم الانهماك في طبخٍ لم يعد للعرب في ورشته إلا استنشاق روائحه من بعيد.

قٓلقٓ أبو الغيط من "صيغة داريا"، التي عٓرفٓ بها عبر وسائل الإعلام، كما يقول البيان، لأنها لم تتمّ تحت رعاية الأمم المتحدة، أي أن القلق متعلّق بشكل ارتكاب الجريمة وليس مضمونها.

يقلق أبو الغيط ولم يصدر عن جامعته القديرة في السنوات الأخيرة أي موقف لافت يتعلق بالمجازر التي تُرتكب في المدن السورية الأخرى، والتي تتعرض وفق تقارير لا تصدرها الجامعة للبراميل المتفجرة وقصف النابلم واستخدام الغازات السامة وحصار التجويع.. إلخ.

وقد لا يمكن لوْم الأمين العام الحالي ولا السابق ولا الأسبق، طالما أن العرب أنفسهم منقسمون حول المسألة السورية، ومنشغلون بمعضلاتهم البيتية، والتي يحاولون مواجهتها بحيث تدفع النموذج السوري عن أبوابهم.

لكن لماذا يقلق أبو غيط في داريا ولم يقلق في حمص ولا يقلق في حلب؟

لا نملك جواباً منطقيا، ذلك أن قلق الجامعة لا منطقي. وقد يكون البيان الصادر عن الأمين العام زلّة لسان وتمريناً لدفع السأم عن "بيت العرب" في القاهرة. ثم أن أبو الغيط القلق من حدث داريا، هو سليل الدبلوماسية المصرية وأحد وجوهها الأساسيين في العقود الأخيرة، كما أنه في هذه الأيام يمثّل فلسفتها على رأس المنظمة الإقليمية الأولى للدول العربية. فهل أطلّ قلق الرجل من كونه رأساً للجامعة أم صوتاً آخر يعكسُ صدى للسياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.

ثم لماذا يقلق أمين عام جامعتنا العربية؟ ألا تُعتبر "استعادة" داريا من قبل النظام السوري متّسقة مع رؤى القاهرة في الدعم الضمني لنظام دمشق ضد "الإرهابيين"؟ أو لم تتم الصفقة برعاية الحليف الروسي المتفق مع القاهرة على مكافحة الإرهاب، حتى في داريا؟ أوليست "التسوية" انتصاراً للأجندة الإيرانية التي لم نسمع أن القاهرة عارضتها بشكل جدي أو استخدمت ضدها موقفاً حاسماً جازماً؟ أما إذا كان قلق الأمين العام يتمحّور حول التفريغ السكاني المقيت الذي ارتكبته هذه التسوية في مدينة عربية داخل دولة عربية هي "قلب العروبة النابض" وفق معلّقات نظام دمشق، فهل أمر كهذا لا يستأهل إلا القلق، والقلق فقط؟

تفرج صفقة داريا عن لبّ الهواجس التي تقضّ مضجع النظام في دمشق. يعتبر النظام السوري أن مشكلته ليست مع "المندسين" ثم "الإرهابيين التكفيريين المتصهينين العملاء للإمبريالية".. إلخ. فحين أخرج معمر القذافي يوماً كتابه الأخضر اعتبر أن مضمونه قابل للتطبيق في دول كالسويد والنروج وليس على الشعب الليبي القاصر عن أن يكون بمستوى فهم فكر القائد. مشكلة النظام السوري هي مع الشعب السوري نفسه، الذي أعمل فيه خلال عقود الحكم الغابرة السيف والسجن والاغتيال والترهيب انتهاء بالمجازر منذ عام 2011، فبات من الضروري أن يرحل هذا الشعب كما رحل ناس داريا.

يقلق الأمين العام لجامعة الدول العربية من ترحيل شعوب العرب عن مدن العرب. سبق لإسرائيل أن مارست ذلك علناً في فلسطين، ومذاك يعتبر العالم أجمع أن إسرائيل دولة محتلة. فهل يقصد أبو الغيط من خلال قلقه أن الدولة السورية باتت دولة محتلة تجوز ضدها مسلمات مواجهة الإحتلال وفق الشرائع الدولية، بما في ذلك الحقّ في مقاومة الإحتلال؟ ثم أن إسرائيل حين أجلت العرب عن مدنهم شيّدت مستوطنات واستقدمت يهوداً من العالم للعيش داخلها، فهل يعيّ الأمين العام أن ما بعد تفريغ داريا وغيرها (وهنا الكارثة المقبلة) إحلال سكان جدد في داريا وغيرها، بما يعني أن الوطن سيتحوّل إلى ورشة استيطان خبيثة.

لم تعد التقارير تخفي خطط النظام السوري وحلفائه في طهران على إحداث تغيير ديمغرافي يؤسس لسوريا المفيدة العزيزة على قلب بشار الأسد. في التقارير وقائع وبيانات ومستندات وإحصاءات وحرائط لمخطط اتلا تكلّ تستبدل هوية مذهبية بأخرى وفق أجندة معلنة لا لبس فيها تطلقها أبواق إيران دفاعاً عن "المراقد". فأما وقد حوّلت إيران العراق إلى حسينية كبرى، على حدّ تعبير أحد الأصدقاء العراقيين، فلماذا لا تتمدد تلك الحسينية نحو سوريا باتجاه لبنان؟

ستعمل روسيا والولايات المتحدة المولجتين، بتواطؤ حميم، بالتعامل مع "الحالة" السورية على مواكبة خطط دمشق - طهران لردع "الإرهابيين" عن تخوم دمشق. وهنا يبدو قلق الجامعة العربية هزيلاً، فحتى جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، الدولة البعيدة غير العضو في جامعة الدول العربية، سبق أبو الغيط في التعبير عن ضيق من صفقة داريا. لكن الواضح أن ردّ فعل كيري يعبّر عن شأن هو من صلب ميدان العمل الأميركي، فيما ردّ أبو الغيط يبدو استشراقياً يتعلق بشأن من خارج ميدان عمل جامعة الدول العربية.

لا عليك أيها الأمين العام فلجريمة داريا قصة تجمعت خيوطها وأظهرت حبكتها تواطؤا جماعيا دوليا إقليميا لإسقاطها. في أواخر عام 2014 وصلت فصائل "الجبهة الجنوبية" التابعة للجيش السوري الحر، إلى مشارف الغوطة الغربية ولم تفصلهم سوى 30 كيلومترا عن داريا وبضعة كيلو مترات إضافية للوصول إلى جنوب دمشق وبلدات الغوطة الشرقية. شيء ما حال دون ذلك لاحقاً: تدخّلُ الميليشيات التابعة لإيران؟ ربما. لكن الأهم، هو تبدل مزاج غرفة العمليات الدولية المشتركة "الموك" ومقرها الأردن، التي تقدم الدعم لفصائل المعارضة، التي أعادت قلب خرائط العمليات وتشتيت فصائل الجنوب ودفعهم لخوض معارك في قلب حوران وشرقها. فكانت معارك تحرير الشيخ مسكين واللواء 52 وبصرى الشام ومعبر نصيب الحدودي، إلى أن تزامن التدخل الروسي بتراجع "الموك" تدريجيا عن تقديم الدعم لمعظم فصائل "الجبهة الجنوبية"، وذلك ضمن اتفاقيات دولية. فبات مستحيلاً، بقرار دولي، فكّ الحصار عن داريا.

تفرّغ داريا من أهلها، لكن حجارتها ما زالت تتحدث عن أهل المدينة وعن حكاية صمود أسطوري، وستتحدث لاحقاً عن رحيل قوم ومرور أقوام أخرى وعن نكسة تُسقط مدن العرب وتحيلها تفصيلاً في حشايا التسويات، فيما أهل المدن يهيمون بحثاً عن أحياء أخرى تبتلعهم بانتظار قدر آخر لا يسبب قلقا للأمين العام لجامعة العرب.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>