First Published: 2016-09-04

لن نميز مستقبلا بين الواقعي والافتراضي

 

قراءة الصحيفة حل، ونوع من الكياسة وبث الهدوء بين الناس والتقليل من الثرثرة، لكن مثل هذا الحل، للأسف، يبدو اليوم من الماضي ولا أحد يعتد به، الهواتف سرقت الناس من أنفسهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

تلفتت السيدة السبعينية جواري بعد أن ضجرت من الوقوف المفاجئ للقطار الذي طال أكثر مما ينبغي، وضعت في حجرها صحيفة المترو المجانية الصباحية التي توزع في محطات قطارات لندن، أشعرتني أنها تريد الحديث، بينما أنا أتابع دون ملل تصفح الأخبار على هاتفي.

تعمدت أن أميل شاشة هاتفي باتجاهها، فبدا لها واضحا بين خبر وآخر أن ثمة فقرات بالإنكليزية، وهذا ما منحها قدرة مضافة على الكلام معي.

قالت إنها تفضل كثيرا صحيفة المترو، ليس لأنها مجانية، بقدر الخدمة التي تسديها للمسافرين في مطالعة محتواها بدلا من التحديق في الوجوه.

قراءة الصحيفة حل، ونوع من الكياسة وبث الهدوء بين الناس والتقليل من الثرثرة، لكن مثل هذا الحل، للأسف، يبدو اليوم من الماضي ولا أحد يعتد به، الهواتف سرقت الناس من أنفسهم. ها أنت جواري منذ عشر دقائق والقطار متوقف، وأنت لم ترفع رأسك عن تصفح هاتفك، بينما أرى أن الصحيفة تقدم لك أكثر من ذلك ومع ذلك صار الملايين مثلك لا يقرؤون الصحيفة!

فتحت لي هذه السيدة بابا رائقا لكتابة مثل هذا المقال، وجعلتني أجد من يسمع أفكاري التي أكتبها منذ سنوات في الإعلام.

كان توقف القطار في منتصف الطريق، أكثر من عشر دقائق، يعد زمنا طويلا وفق مقاييس قطارات لندن، لكنه بالنسبة إلى مثلي لديه ما يكفي من مصادر إخبارية لوكالات الأنباء العالمية على هاتفه المحمول، لا يعني هذا الزمن شيئا، تصفح الهاتف الذكي يقتل الزمن بشكل سريع ويجعل المتصفح لا يشعر به، لكن السيدة الصبورة وعالية الكياسة ملت قراءة صحيفة المترو لذلك فضلت الحديث معي، وكان مثيرا أن تكون المفاضلة بين قراءة الصحيفة الورقية وتصفح الهاتف الذكي.

لكنني، يا سيدتي، لم أشعر بالملل وهاتفي يسرق الوقت، فإن لم أجد ما يغري في متابعة الأخبار أعود لقراءة العشرات من الكتب التي حمّلتها عليه. خاطبت السيدة في سري بمثل هذا الكلام، منتظرا أن تعود للحديث.

قالت هل يمكن أن أسألك منذ متى وأنت لم تقرأ صحيفة؟ قلت لها ربما لن أكون مثالا جيدا للتحدث عن عدم قراءة الصحف، فقالت لماذا؟ قلت لأنني أصنع الصحيفة.

تراجعت قليلا على كرسيها الضيق متسائلة، حقا ما تقول؟ هل أنت صحافي؟

قلت: نعم

يالك من محظوظ!

يا للخيبة، تناست المرأة كل ما كانت تود الحديث بشأنه، عن الصحيفة الورقية والهاتف الذكي وأغدقت عليّ بالحظ الشائع حول الصحافي، وهو في حقيقة الأمر ليس واقعيا.

قالت: إذن أنت لا تقرأ الصحيفة لأنك تعرف محتواها قبلنا ولست مثلنا تنتظرها، لكنني أستطيع أن أدلك على أشخاص في هذا القطار من دون أن أعرفهم يفضلون تصفح هواتفهم على قراءة جريدة جيدة تقدم لهم يوميا مجانا! مازال القطار

متوقفا وأصوات التذمر بدأت ترتفع قليلا بين المسافرين، مع أن رسائل سائقه الصوتية تعتذر لهذا التوقف بسبب مشكلة في السكك، إلا أن حديث السيدة لم ينته.

بادرت بسؤالها عن طقوس قراءة الصحيفة في المجتمع الإنكليزي إبان عقد الستينات من القرن الماضي.

كانت مدهشة! قالت، وكان ثمة احترام لعقل القراء، ولم يكن ثمة الكثير من الهراء الذي تنشره الصحف اليوم، كانت الأسر المتلهفة لقراءة الصحف تنتظر الصبيان وهم يدورون بدراجاتهم الهوائية على المنازل لتوزيعها.

وأكدت أن الصحف كانت توزع على البيوت بنفس الدقة التي يقوم بها موزع الحليب فجر كل يوم.

واستمرت بحديث تغمره السعادة: كنا نقضي صباحنا في تداولها ونعود إليها بعد الظهيرة، لم تكن الصحيفة في محتواها تحمل الفكرة السائدة اليوم، تُقرأ خلال دقائق وترمى، كانت مع الراديو مصدرنا الأول، إذ لم يكن التلفزيون قد وصل إلى مرحلة الإبهار بعد.

تشوقت السيدة للحديث عن الحنين لزمن صحافي بامتياز وكأنها كانت تنتظر من يستمع إليها، بينما القطار عاد إلى مسيره.

سيكون الكلام، بالنسبة إلي، مكررا في الحديث عن الصحافة في العصر الرقمي، فهذه السيدة تدرك أن سلوك القراء تغيّر، ومن المحتم أن تتغير معه الصحف على الأقل للاستجابة لرغبات قرائها الأوفياء.

فقارئ الصحيفة الورقية بمواصفات هذه السيدة لم يعد موجودا بشكل كبير وهو في طريقه إلى الاستبدال بقارئ بمواصفات رقمية يكون شريكا في الصناعة الإخبارية ومتفاعلا معها، ولا يكتفي بدور المتذوق المسترخي.

حتى الصحيفة ستغير رائحتها مستقبلا من أجل أن تبقى بيد القراء، وسترتبط مع أجهزتهم الذكية بالطريقة التي أطلقت عليها غوغل اسم “زموت” حيث الإنسان العادي لا يميز بين الواقعي والافتراضي.

وصلت السيدة إلى محطتها قبلي، وتركت الصحيفة على مقعدها مثل كل الإنكليز من أجل أن تكون ثمة فرصة لمسافر آخر لقراءتها.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>