First Published: 2016-09-04

ألف غصة وغصة

 

ألف ليلة وليلة، بالمعنى الحرفي لليل القاتم، هي واقع حياتنا اليوم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كما أن لا أحد كتبها. وقد تكون كذلك. إنها نتاج جماعي. توالى على كتابتها عدد كبير من المؤلفين الذين لا أحد يؤكد أنهم أقاموا على أرض واحدة وعاشوا الزمن، غير أن ما يجمع بينهم أنهم جميعا كتبوا باللغة العربية وقد لا يكون البعض منهم عربيا.

بغض النظر عمن كتبها تظل الألف ليلة وليلة عربية، بشخصياتها ومدنها ودسائسها وسحرها وجارياتها وشعرها ومغامرات سندبادها وجنون عشاقها وشجاعة فرسانها وكرم سادتها وألاعيب شطارها وفكاهة فقرائها وفتنة نسائها.

وكما يبدو فإن العرب وقد استوطنوا الكتاب لذ لهم طيب الإقامة فيه إلى الأبد.

"الليالي العربية" هو اسم ذلك الكتاب الاعجازي الأكثر تداولا في العالم. وهو اسم على مسمى. فللعرب ليلهم الذي لا يشبه أي ليل آخر. حتى الليل القطبي الذي عشت أجزاء منه أثناء اقامتي في السويد لا يستغرق سوى بضعة أشهر من السنة، بعدها تعتدل الأوقات ويتساوى الليل والنهار ومن ثم يحل نهار قطبي طويل هو الآخر.

لقد أرخى ليل العرب ستائره فلم تنفع معه كل محاولات التنوير.

ومثل حكايات الكتاب العجيب التي تفضي كل واحدة منها إلى الحكاية التي تلحق بها، فإن الليالي العربية صارت بمثابة ليل واحد.

من بين دول قليلة كانت مصر رائدة في العصر الحديث. في السينما والحياة البرلمانية والصحافة الحرة والمسرح وحرية المرأة وشق الشوارع واتباع الطرز المعمارية الحديثة واقامة معامل النسيج وانشاء معاهد لدراسة الفنون وتخليص الابريز في تلخيص باريز.

حدث كل ذلك قبل مئة سنة.

بسببه كان طبيعيا أن تكون مصر في صدارة دول العالم المتحضر على مستوى تقدمها الفكري والعلمي والثقافي والاجتماعي والمدني. ويكفي للدلالة على ذلك أن الموسيقي الإيطالي فيردي الف موسيقى اوبرا عايدة من أجل ان تعرض في دار الاوبرا المصرية حين افتتاح قناة السويس عام 1869.

كانت مصر يومها قريبة من العالم الذي سيصير أولا. فما الذي دفعها لكي تتراجع وتتخلى عن موقعها الذي كان في إمكانها أن تعلو بالعرب كلهم من خلاله؟

لم تندس مصر خلسة في عتمة كتاب الليالي لتفقد مكانها الطليعي في العالم. لقد حل ليلها تدريجيا وبدرجات متفاوتة في قوة عتمته. فلا العسكر الذين قفزوا إلى الحكم بعد حريق القاهرة ولا فاروق، الملك اللاهي الذي ودعه المصريون بما يليق بالملوك من مهابة هما وحدهما المسؤولان عن انهيار التجربة المصرية.

لقد ساهم العرب (من وراءهم الغرب)، كل حسب قدرته في ذلك الانهيار العظيم. ولم تكن تلك المساهمة لتقع إلا لأن العرب لم يدركوا إلا متأخرين أن انهيار مصر انما يشكل نهاية لفكرة النهضة العربية.

مع انهيار مصر بعدت المسافة بين العرب والعالم.

صارت السنوات التي تفصل بينهم وبين العالم تقاس بسرعة الضوء.

ستلقي زيارة العار الذي قام بها الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل (1977) بظلالها القاتمة على مصير العرب في مستقبل أيامهم. لقد اتخذ الرجل المولع بالتمثيل خطوته بطريقة عبثية، وهي الطريقة التي اتسمت بها كل خطوات خصومه في معاقبة مصر.

وكما في لياليهم فإن العرب لم يقفلوا على تلك الزيارة المريبة الباب من أجل أن لا تنتشر تداعيانها كالداء، بل جعلوا منها المفتاح الذي استعملوه في فتح الأبواب التي تؤدي إلى حقول فشلهم السياسي. فكانت حكاية السادات في زيارته العجيبة مفتتحا لكل الحكايات العجيبة التي عاشها العرب خلال أكثر من ثلاثة عقود تلتها.

اليوم لم تعد ليلة السادات سوى واحدة من ليالي العرب الكثيرة التي لا تُحصى. أهوال مر بها العرب تركت في القلب ألف غصة وغصة بسبب ذلك الليل الذي لا توحي عتمته بأن الصبح قريب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
نصر ناقص وهزيمة كاملة
2017-07-11
الربيع العربي بنسخته القطرية
2017-07-10
المزيد

 
>>