First Published: 2016-09-06

مثقفو الخراب العربي

 

لن تجد أفضل من المثقفين أداة لتضليل الشعوب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما هو رأي المثقفين اليمنيين بما يجري في بلادهم؟

لا يقتصر ذلك السؤال على اليمنيين وحدهم. بل يشمل المثقفين العراقيين والسوريين والليبيين أيضاً.

حين قامت ثورات الربيع العربي لم يشكك بها إلا قلة من المثقفين. تلك القلة تعرضت للرجم حين تم تأليب العامة عليهم. لقد صار شتم تلك القلة تقليدا على لسان كل من هب ودب، بغض النظر عن علاقة هذا الشخص أو ذاك بالثقافة ومستوى معرفتهما بمَن يشتمان.

صار ذلك الشك القائم على الحدس المعرفي بمثابة كفر.

لقد راهن المثقفون العرب على التغيير الذي تنطوي عليه تلك الثورات. لم ينتبهوا وسط العصف إلى أنهم يتخلون عن موقعهم الطليعي الذي طالما أشعروا الآخرين من خلاله بثقل نخبويتهم. وهو ما يعني اعترافهم بحقيقة أن نخبا ثقافية بالمعنى الحقيقي لم تكن قائمة في العالم العربي. فلو كانت تلك النخب موجودة لاستشعرت الحراك الشعبي قبل وقوعه وقادته إلى الملاذات الآمنة.

كانت حماسة أولئك المثقفين جزءا من الطوفان الشعبي الذي لا يدري أحد حتى هذه اللحظة مَن فتح السدود التي أدت إليه، بالرغم من أن أسبابه كانت واضحة. وهي أسباب كان المثقفون أنفسهم قد صمتوا عليها خوفا من بطش الأنظمة الشمولية التي أسقطها عصف الربيع العربي.

غير أن الغريب في الأمر أن مثقفي التغيير عادوا إلى صمتهم مرة أخرى، بعد أن ملاوا الدنيا ضجيجا وهم يلوحون بالأمل الذي انفجر مثل فقاعة ولم يخلف أثرا. صمتوا، تاركين الشعب الذي ضللوه بالحرية ضحية للفوضى.

لم يعتذروا لأنهم أخطأوا التقدير ولم يعلن أحد منهم عن ندمه.

الأنكى من ذلك أن أولئك المثقفين الذين حرضوا جموع العامة على شتم المشككين بالربيع العربي لم يقوموا بما يمليه عليهم الضمير من اعتراف بأنهم أخطأوا في حق زملائهم الذين تنبأوا بالخراب القادم، بل اكتفوا بالصمت.

وكما أرى فإن ذلك يشكل مؤشرا خطيرا على تدني المستوى الإنساني لدى معظم المثقفين العرب. فـ"مثقف" يغسل يديه من المسؤولية عن مصير شعبه ولا يقول كلمته في اللحظة العصية، بل ويصر على استمرار ما أرتكبه من الأخطاء الجوهرية هو شخص لا علاقة له بمفهوم الثقافة.

لقد عرى ما حصل واقعا، كنا نعيشه من غير أن نشعر بهشاشته.

هناك بشر هامشيون يكتبون الشعر والرواية ويرسمون وينحتون ويمارسون النشاط الثقافي ترفيها عن أنفسهم حُسبوا في لحظة خطأ مثقفين، فصار نتاجهم بضاعة ثقافية، غير أنهم في حقيقة ما تنطوي عليه أفعالهم لا يمتون بصلة إلى مفهوم المثقف العضوي، المسؤول والمقاوم.

لذلك تبنتهم المؤسسات الرسمية والحزبية، في الحكم والمعارضة على حد سواء. لقد تم استعمالهم واجهة، فهم لا يشكلون خطرا، بل أنهم مفيدون في تضليل الشعوب. وهو ما فعلوه في ما يتعلق بالربيع العربي.

أقول لأحدهم وهو سوري "إن فرقة القوقاز تهاجم حماه السورية" فيرد علي متحمسا كما لو أنه يمشي في تظاهرة "ولو. كل شيء يهون من أجل اسقاط بشار الأسد".

لقد ترك المثقفون الذين سبق لهم وأن تحمسوا للربيع العربي المنابر الإعلامية للطارئين ولاذوا بالصمت. وهو حل لا أراه مناسبا لمَن يعتبر نفسه مثقفا حقيقيا. فالثقافة الحقيقة لا تعني كتابة الشعر والرواية أو رسم اللوحات وتأليف القطع الموسيقية، بل هي تعني من خلال كل ذلك موقفا متقدما في نبله ورقيه واستقلاله وحريته من الوضع البشري.

لم يعد الأمر اليوم ملتبسا. هناك خراب شامل في معظم بلدان الربيع العربي. ألا يستدعي ذلك الخراب أن يقول المثقفون العرب كلمتهم؟

في ميزان الربح والخسارة فإن القلة التي شُتمت هي الرابحة تاريخيا. أما الأكثرية التي حرضت على الشتم وصمتت بعد أن حلت الفوضى وصارت المجتمعات رهينة الإرهاب المحلي والعالمي فإنها خسرت كل شيء. وإذا ما كان البعض منها لا يزال يصر على ممارسة دوره التخريبي فما ذلك إلا لأنه وجد في نعيق الغربان صوته.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>