First Published: 2016-09-08

المظلة الواقية للقضية الفلسطينية

 

افضل ما تتمنى إسرائيل ان يقدمه الرئيس محمود عباس لها هو تشتته في القضايا الداخلية والاقليمية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

التوترات والصراعات التي تحفل بها المنطقة، لم تنجح في أن تنسي كثيرا من الدول ملف الصراع العربي الإسرائيلي، فلا زالت القضية الفلسطينية، تمثل أحد أهم المحاور التي تنخرط فيها جهات إقليمية ودولية، وينظر لها باعتبارها القضية الأم، وأصبح غالبية المعنيين بأزمات المنطقة يبدأون منها أو ينتهون إليها، حتى لو تخيل البعض أن الأزمة السورية فاقت كل الأزمات.

الجهود المصرية والفرنسية والروسية، ودعم أوساط سياسية خلال الأسابيع الماضية، أكد النتيجة السابقة، حيث تسارعت التحركات لضخ دماء جديدة في عروق عملية التسوية السياسية، التي تصلبت على مدار السنوات المنصرمة، بسبب تفجر أزمات واشتعال حروب، تداخلت فيها الأوراق الإستراتيجية، وجذبت لها دولا عدة، من الشرق والغرب، ناهيك عن قوى أخرى من المنطقة، لديها طموحات لزيادة دورها الإقليمي.

لم تفلح الانشغالات بهموم الأوضاع في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن، والمخاوف من تنامي دور إيران، في أن تبتعد دول مختلفة عن القضية الفلسطينية، التي تآكلت أجزاء منها، بفعل سوء تصرفات بعض الحركات والفصائل، واستثمار إسرائيل اللحظة التاريخية التي تراجعت فيها (مؤقتا) القضية على جدول أعمال القوى المؤثرة، جراء الحروب والمناوشات والنتوءات التي خرجت من رحمها، وأفضت إلى واقع قاتم أنذر (ولا يزال) بتغيير خريطة المنطقة، بما يصب في صالح إسرائيل، التي رفضت الانصياع لأي نداءات تصدر بجدية أو على استحياء من دول تدرك الأهمية المركزية للقضية الفلسطينية في جدار الأمن القومي العربي.

حيال المراوحات المختلفة، والتعقيدات والتشابكات المتباينة في جميع الصراعات الراهنة، لم تهمل مصر تحديدا القضية، وكانت في غالبية، إن لم يكن جميع، مناقشاتها مع قوى إقليمية ودولية محل تركيز، وعندما بدأت تلوح فرصة إيجابية، عقب إطلاق فرنسا لمبادرتها السياسية الرامية للتسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، التقطت مصر الخيط، وسعت إلى مده حتى آخره، ليؤدي إلى مفاوضات حقيقية، تقود لدولة فلسطينية قابلة للحياة.

عندما استشعرت تل أبيب جدية المسألة، وأن العواصم الثلاث، القاهرة وباريس ثم موسكو، تتحرك بتناغم ناشدة السلام، بدأت سلسلة من المراوغات لتعطيل هذا الاتجاه، تارة تضع المتطرف أفيجدور ليبرمان على قمة وزارة الحرب، وأخرى تتلكأ بعدم الثقة في الجانب الفلسطيني، وتعزف على وتر الانقسامات الداخلية، وثالثة تمعن في الانتهاكات والممارسات الإجرامية في الأراضي المحتلة، وهكذا بدأت سلسلة من الإجراءات، هدفها وضع العصي بين عجلات التسوية.

الدوائر التي تحركت نحو تهيئة بيئة مواتية لإعادة انطلاق قطار المفاوضات، لم تكن غافلة عن كل هذه الألاعيب، لذلك حاولت تفشيلها، وتطويق إسرائيل من جهات عديدة، لإجبارها على الجلوس حول الطاولة، والاستفادة من الانخراط الأميركي في أزمات أخرى، بدت عملية فك شفراتها مستعصية على واشنطن، خاصة أنه معروف أن العام الذي يسبق انتخابات الرئاسة الأميركية يتحول فيه الرئيس إلى ما يشبه البطة العرجاء، التي تتحرك ببطء، وإن فكرت في زيادة سرعة خطواتها تتعثر في منتصف الطريق.

هذه التقديرات لم تكن بعيدة على ذهن، كل من مصر وفرنسا وروسيا، وداعمين عرب آخرين، لكن نقطة الانطلاق، كانت تتمحور في مسارين، لابد من تجاوز العقبات التي تتناثر على جانبيهما، هما إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بالنسبة للأولى نجحت نسبيا الجهود التي بذلت للتقليل من حججها، وإجبارها على عدم استبعاد فكرة التفاوض، لكن بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية سلك طرقا ملتوية، لإجهاض التسوية من داخلها، وفقا لأجندة متدرجة، ساعده فيها الواقع الفلسطيني الأليم، حيث لم يظهر تماسكا مبدئيا يفرض على قوى كثيرة ممارسة أنواع متباينة من الضغوط على إسرائيل، وكلما تعثرت خطة نتانياهو وجد ما يوفر له دعما جديدا، عن قصد أو بدونه، ليمارس مناوراته.

بالنسبة للثانية، أي السلطة الفلسطينية، تزايدت حدة الخلافات داخلها، وتعمقت الفواصل في صفوف حركة فتح، وبدأ بعض القيادات يستعد لوراثة الرئيس محمود عباس مبكرا، في وقت لم تبد فيه حركة حماس تعاونا كاملا لوضع حد للانقسام، وتمانع في التعاون لإعادة اللحمة بين قطاع غزة والضفة الغربية، وربما تظاهرت أحيانا بالتجاوب مع النداءات التي وجهت لها، لكنها اكتفت بالجانب النظري، ولم تتحول إلى واقع ملموس على الأرض.

المشكلة الأكبر، أن بوادر الاستسلام لإرادة بعض القوى الإقليمية بدأت تتصاعد وتيرتها، وأخذت تخرج من النطاق السري إلى العلني، واستثمرت حركة حماس، حالة الجشع التي انتابت بعض الدول للتدخل في الشأن الفلسطيني، وضاعفت من الارتماء في أحضانها، واستخدمت تركيا وقطر وبالطبع إيران وسائل مختلفة، لدغدغة عقول وقلوب قيادات الحركة، التي لم تبخل عليهم بالتجاوب، كمحاولة لتعويض أوجه النقص والضعف في جسدها.

بصرف النظر عن الحسابات التي حكمت مقاربات هذه الدول، غير أن الجميع تحفظ وتمنع عن الدوران في فلك الميل نحو التسوية السياسية، وكان الانحياز واضحا إلى تعطيلها وفرملة التوجهات الإيجابية التي يمكن أن تؤدي إلى تحريكها، لذلك التقت إرادة هذا الفريق مع رغبة إسرائيل، في إبقاء الأمر على ما هو عليه من الانسداد.

اللعبة التي تجيدها حماس منذ فترة، وتقوم على التباديل والتوافيق بين المتناقضات، والانسجام مع جهات ليس من مصلحتها حدوث تقدم في التسوية، انتقلت إلى بعض قيادات السلطة الفلسطينية، وهو ما عبر عنه الرئيس محمود عباس مؤخرا، عندما ألمح إلى رفض ما يمكن وصفه بتدخلات بعض العواصم العربية، القاهرة والرياض وعمان وأبوظبي، أي أعضاء اللجنة الرباعية العربية، المعنية بالتسوية الفلسطينية، الأمر الذي فسر على أنه محاولة للتنصل من المضي قدما نحو السلام، كنوع من المزايدة على فريق الرافضين، أو قفزة في الهواء تميل إلى تغيير التوجهات إلى دوائر مقابلة، لم تكن راضية عن كثير من تحركاته السنوات الماضية.

مهما كانت حسابات أبومازن، الداخلية والخارجية، التي دفعته إلى الكشف عن امتعاضه من أعضاء اللجنة الرباعية، فهي في النهاية، وفرت ذريعة لإسرائيل لتأكيد رؤيتها في ما يتعلق بالموقف السلبي من اللقاء الثلاثي في موسكو، بين أبومازن ونتانياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومنحت تل أبيب فرصة جديدة لتأكيد قناعتها بعدم جدوى مؤتمر باريس المنتظر، وهو ما يفرض على الدول المعنية إعادة رص الأوراق مرة أخرى، بصورة تعيد أبومازن إلى الدائرة العربية الواسعة التي مهما جرت خلافات بينها، سوف تبقى المظلة الواقية للقضية الفلسطينية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>