First Published: 2016-09-11

سقوط 'بي بي سي' في فخ زواج السوشي!

 

الصحافي يذهب أبعد من المتداول، لأن ثمة حقائق أعمق قد تكون غائبة عن الجمهور، وهذا ما كان يفترض أن يقوم به برنامج 'زواج السوشي'، كان من السهولة أن يسأل عمّا إذا كان الأشخاص يضعون الطائفة في مقدمة أولوياتهم عند الإقدام على الزواج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا ينظر إلى راديو 4 في هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، إلا بدرجة عالية المسؤولية، فهذه الإذاعة التي تعد ثاني أكثر شعبية بين الإذاعات البريطانية، يصل تأثيرها إلى المستمعين في شتى بقاع العالم.

حساسيتها العالية وراء انتقاء نوعية الخطاب الجاد في برامجها، فلا تقع الموسيقى والرياضة ضمن اهتمامها، بل دائما في هامش أخبارها، مع ذلك سجلت المحطة 11 مليون مستمع خلال شهر مايو عام 2011.

ببساطة يمكن معرفة جمهور راديو 4 من نوعية برامجه، فالراديو لم يفقد بعد قوة الجذب ويمكن الاستماع إليه بذهن رائق، لذلك تحولت حلقة الأسبوع الماضي من برنامج “ساعة للمرأة” إلى مثار جدل بشأن تنازل هيئة الإذاعة البريطانية عن حساسيتها المهنية والوقوع في فخ الخطاب السائد عن فكرة التقسيم الطارئة في المجتمع وفقا للطائفة الدينية.

البرنامج اختار “زواج السوشي” عنوانا لحلقته، مما زاد من فرصة التهكم، فاختلاط نكهة طعام السوشي الياباني -مصادفة- مع فكرة ألا يتزوج المسلم إلا من طائفته، فكرة حمقاء بامتياز، روّجت لها الأحزاب الطائفية، خصوصا بعد احتلال العراق عام 2003، من أجل امتداد نفوذها وإشاعة خطاب طائفي وإلغاء مفهوم الدولة المدنية واستبداله بتقاليد الطائفة والمسجد.

بغير تقسيم المجتمع وفق طائفته بقوة السلاح أو بإرهاب التهجير، لا تسنح الفرصة للأحزاب الطائفية في الصعود إلى الحكم. لذلك أصبح التقسيم الطائفي واقعا سياسيا مفروضا بمواصفات اجتماعية.

اختارت زبيدة مالك، وهي صحافية على درجة من الأهمية وقد سبق لها أن حاورت شخصيات سياسية مرموقة كتوني بلير وكوفي عنان وسعود الفيصل… ما يمكن تسميته بـ”ضحايا” فكرة “زواج السوشي” وليس شهودا في قصة صحافية، من أجل أن تصل إلى ما يعنيه أن يتزوج الشيعي من السنية، أو السني من الشيعية.

كان الهدف من هذه القصة الإذاعية تحديد الفجوة داخل الأسر والمجتمعات، على اعتبار أن مثل هذه الزيجات لم تعد شائعة بعد الأحداث السياسية الدولية بما في ذلك الحروب في سوريا والعراق، وكيف انعكست تلك التداعيات على واقع المسلمين البريطانيين.

تحدثت زبيدة إلى ثلاثة أزواج من “السوشي” لمعرفة مدى قوة الخلافات بينهم وبين عائلاتهم.

وزعم أحمد، وهو شيعي من خلفية بريطانية عراقية، وزوجته ربيعة السنية الباكستانية، نسف كل ما يمكن تصوره من خلافات. وتحدثت فرزانة السنية كيف أصيبت بالهلع وأغمي عليها عندما شاهدت زوجها الشيعي شابير يقيّد نفسه بالسلاسل خلال طقوس استذكار مقتل الحسين بن علي! في حين، سابينا وعزير، زوجان شابان لديهما طفل جديد، أدركا أنهما من المسلمين وأن لديهما من القواسم المشتركة أكثر بكثير مما يمكن أن يفصل بينهما.

بعض ما توصلت إليه الحلقة الإذاعية من البرنامج المثير للفضول، أنّ بعض الشركاء يرون أن الأحداث السياسية الدولية لا يمكن أن تلعب دورا في تحديد العلاقة بين الأزواج، فيما يرى آخرون أن تلك الأحداث جعلت الأشخاص أقل استعدادا للزواج من خارج طائفتهم!

بينما أصر شابير الشيعي الذي أصاب زوجته بالهلع وهو يضرب ظهره بالسلاسل حزنا على الحسين الذي قتل قبل 1400 سنة! على أن الزواج “السوشي” يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على تماسك المجتمع، باجتماع الطوائف في أسرة واحدة!

ليس من مهمة هذا المقال التعليق على أفكار ضحايا الإعلامية البريطانية زبيدة مالك من “أزواج السوشي”، لكنه يتساءل عمّا إذا كانت فكرة البرنامج الإذاعي قد خضعت للسائد من الأفكار، ولم تستطلع حقيقة الخلاف الاجتماعي بين الأزواج من الشيعة والسنة!

الصحافي يذهب أبعد من الشائع والمتداول، لأن ثمة حقائق أعمق قد تكون غائبة عن الجمهور، وهذا ما كان يفترض أن يقوم به برنامج “زواج السوشي”، كان من السهولة أن يسأل عمّا إذا كان الأشخاص يضعون الطائفة في مقدمة أولوياتهم عند الإقدام على الزواج، هل حدث مثل ذلك قبل أن تصعد أحزاب إيران في العراق وسوريا ولبنان، وقبل أن يوجد تنظيم داعش كمعادل طائفي لهذه الأحزاب؟

إذا كان الصحافي يهتم بلغة الأرقام بوصفها حقائق لا تدحض، هل يمكن أن نقدم لمستمع برنامج “زواج السوشي” إحصائية عن عدد المطلقين لأسباب طائفية قبل احتلال العراق، مقارنة بمن أرغموا على الطلاق تحت وطأة تفشي الطائفية السياسية؟

إن كان على الإعلام المسؤول مثل هيئة الإذاعة البريطانية الممولة من دافعي الضرائب، أن يصنع خطابه في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، فإن مثل هذا الخطاب سيسقط في الفخ الديني والسياسي بمجرد قبول الشائع والطارئ على أنهما حقائق وأفكار تشكل بنية المجتمع!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
الملحن الشهيد
2017-04-04
كلنا صحافيون!
2017-04-02
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
المزيد

 
>>