First Published: 2016-09-15

الصومال ينشد السلام لجنوب السودان!

 

لن يكون الصومال الفضاء المناسب لحل الأزمة في جنوب السودان. الصومال يحتاج من يحل له مشاكله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

ليست هذه مزحة، لكنها مفاجأة من العيار الثقيل، حيث استضاف الصومال الثلاثاء الماضي قمة رؤساء وزعماء الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر (إيجاد) للتباحث بشأن التوصل إلى حل للأزمة المشتعلة في جنوب السودان، وإنهاء عقدة نشر قوة أممية في العاصمة جوبا.

القمة عادية، لكن الغريب انعقادها في الصومال بعد غياب دام 25 عاما، شهد فيها هذا البلد انهيارا في غالبية مؤسساته، وأصبح مقسما بشكل غير رسمي بين أقاليم متصارعة، وتحول إلى مسرح عمليات عسكرية لقوى دولية متباينة، ومرتعا لجماعات إسلامية متشددة، ومطمعا لعدد من دول الجوار.

والأدهى أن أحد أسباب نكبته التدخلات السافرة من قبل بعض دول منظمة "إيجاد" التي تتكون من إثيوبيا وأوغندا وكينيا وجيبوتي والسودان واريتريا وجنوب السودان، فضلا عن الصومال.

قد تكون هذه المنظمة لعبت دورا في تهدئة بعض الأزمات الإقليمية، غير أنها أخفقت بشكل ذريع في وضع حد للأزمة في الصومال، ليس فقط لأن هناك أطماعا لدى البعض في هذا البلد، حيث أدت التدخلات المتواصلة إلى تأجيج الحرب بدلا من إطفائها، لكن أيضا لأن الدور الذي تقوم به هذه المنظمة يبدو مرهونا بإرادة قوى دولية، لها مصالح إستراتيجية في المنطقة، ترى أن بقاء الصومال على حاله، يحقق لها مكاسب أمنية وسياسية حاليا، واقتصادية في المستقبل.

كان الدور الفعال الذي قامت به المنظمة في السودان، بدءا من تسعينات القرن الماضي، مدخلا لتعبيد الطريق لانفصال جنوبه رسميا عام 2011، حيث توافرت إرادة دولية قوية للوصول إلى هذه النتيجة، وجرى تقديم كل وسائل الدعم لتستمر "إيجاد" في دورها الظاهر وبصورة محورية، ولأن هذه الإرادة لم تكن متوافرة بطريقة كافية في حالة جنوب السودان، فشلت المنظمة في التوصل إلى تسوية سياسية راسخة للأزمة الداخلية التي اندلعت منذ حوالي عامين، بين الرئيس الحالي سلفا كير ونائبه الأول رياك مشار.

وبدا المجتمع الدولي منقسما بين الزعيمين (كير ومشار)، الأمر الذي أرخى بظلاله السلبية على سير المحادثات التي رعتها المنظمة، ولم تفلح الوساطات الفردية من جانب بعض دول "إيجاد" في وضع حد للحرب الأهلية، التي هدأت نسبيا عقب توقيع اتفاق أديس أبابا في أغسطس من العام الماضي، ثم اشتعلت مرة أخرى بين الغريمين، وتجدد القتال، وبدت الأوضاع تخيم عليها أجواء قاتمة تنذر بعدم استبعاد امتداد نيران الحرب الأهلية في جنوب السودان إلى بعض دول الجوار.

عندما رفض الرئيس سلفا كير قرار مجلس الأمن 2304 الذي قضى بإرسال قوات أممية إضافية لبلاده في أغسطس الماضي، وجدت الولايات المتحدة الأميركية، التي حشدت لإصدار القرار، نفسها في موقف غاية في الحرج، لأنه من الصعوبة إرسال قوات لحماية العاصمة، بناء على طلب رياك مشار، دون الحصول على موافقة صريحة أو ضمنية من الحكومة الحالية في جوبا، خشية أن يؤدي دخولها عنوة إلى تفاقم الاقتتال، والدخول في مواجهات أشد عنفا مما هو حاصل الآن.

كما أن القوات الإضافية سوف تتشكل غالبيتها من دول "إيجاد"، بالتالي كان من الضروري البحث عن وسيلة لتنفيذ القرار، عبر محاولة إقناع الرئيس سلفا كير بجدوى القرار الدولي.

لذلك خصصت قمة مقديشو جانبا رئيسيا من قمتها للتباحث بشأن الأزمة في جنوب السودان، متجاهلة أن الصومال البلد الذي يستضيف القمة أوضاعه أشد تدهورا، لكن على الأرجح أراد الفريق الذي يتحكم في مفاصل منظمة "إيجاد" توصيل رسالة إيجابية للعالم، تشي بأن الأمن والهدوء والاستقرار قد عاد إلى هذا البلد المنكوب، وأن الحديث المتكرر حول نكبة الصومال ينبع من جواره ليس له ظل من الحقيقة، والدليل انعقاد هذه القمة، وطبيعة المناقشات التي جرت على طاولتها.

من الواضح أن ثمة توظيفا سياسيا لبعض المستجدات في الصومال، حيث قطعت الحكومة الحالية شوطا في سبيل بسط السيطرة على العاصمة، وبعض المناطق في الوسط والجنوب، كما أن التوافق على إجراء الانتخابات البرلمانية الرئاسية خلال الأسابيع المقبلة، عزز الكلام الذي يتردد بشأن حدوث تقدم ملحوظ في الصومال.

في هذا الخضم، تم تجاهل وجود أقاليم في الشمال لم يعد للحكومة سيطرة عليها من قريب أو بعيد، كما أن حركة شباب المجاهدين المتشددة تفرض نفوذها على بعض الجيوب الجنوبية، وهو ما يمثل قلقا للحكومة وبعض دول الجوار، كما أن التدخلات الخارجية في أراضي الصومال بذريعة مكافحة الإرهاب لم تتوقف، علاوة على أن أجزاء ليست هينة يسيطر أو يتحكم فيها أعضاء في "إيجاد".

المنظمة، كمؤسسة أو هيكل إداري، ربما لم تبخل عن الانخراط في الأزمات التي عصفت، ولا تزال، بعدد من الدول الأعضاء، لكنها عجزت عن تقديم حلول إبداعية توقف نزيف الحروب، وحاول البعض من داخلها استغلال التوتر والترهل والتدهور في شرق أفريقيا، لتحقيق أطماع تاريخية، على حساب الدور المفترض أن تقوم به "إيجاد" في تسوية المشكلات والأزمات المستعصية، بدلا من إشعال فتيلها بطرق ملتوية، أفضت في النهاية إلى حالة نادرة من الانفلات والفوضى، تهدد كيان الكثير من الدول الأعضاء في المنظمة.

بالتالي أهم الخطوات التي يجب أن تقوم بها "إيجاد" التوصل إلى اتفاق عملي يمنع التدخل في شئون دولها، والكف عن الانحياز لطرف على حساب آخر، والتخلي عن القيام بدور "مخلب القط" لصالح بعض القوى، التي ترى من مصلحتها بقاء الصومال، وإن أمكن السودان، كساحات للفوضى، حتى تتمكن من إعادة ترتيب الأرواق المبعثرة، بالصورة التي تساعدها على تحقيق أهدافها.

ربما يكون الصومال المحك أو الاختبار الفعلي الذي يجب أن تظهر على أرضه معالم هذا التوجه، فقد اندلعت أزمته، بعد حوالي خمس سنوات من عمر "إيجاد" التي تأسست عام 1986، وأخفقت في أن تتبنى سياسات جماعية، تعبر عن مواقف أعضائها، وتركت الأمور في يد قوة أو أكثر تسيطر على مقاليد الأمور، وفقا لرؤيتها الأمنية وتقديراتها السياسية.

لذلك لن يكون الصومال الفضاء المناسب لحل الأزمة في جنوب السودان، ما لم يتمكن من لملمة جراحه وتجاوز العقبات التي تعتري بناء مؤسساته، بما يمهد إلى استعادة الدولة لقدر معتبر من وحدتها وعافيتها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>