First Published: 2016-09-15

العراق بين جماله وقبحه

 

عراق اليوم هو عراق الطوائف. عراق الميليشيات. عراق المفخخات. عراق المسيرات الجنائزية. عراق القتل والاختطاف على الهوية. عراق المقابر الجماعية. عراق النزوح والتهجير والارامل والأمهات الثكالى. عراق الأحزاب الملغزة التي تتسابق في ما بينها على الغنائم. عراق اللصوص والفاسدين والعمائم الزائفة والدسائس من تحت الطاولة وفوقها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

أيحق للمرء أن يكره وطنه؟ يمكن أن لا تكون الكراهية هي الصفة المناسبة. وقد يكون من شأن استبدالها بصفة أخرى أن يخفف من قسوة المشهد. ولكنني شخصيا أميل إلى أن تصل الأمور إلى ذروتها، من أجل أن نتعرف على شيء من الحقيقة. حقيقة علاقة المرء بوطنه.

العراق الذي هو وطني هو بلد خيالي في حالات كثيرة. فيه الكثير من الوهم الذي يغوي الحواس كلها. يلجه المرء فيشعر أن أجنحة من الحلم تضربه. هذه بلاد تصلح للأغاني الحزينة والعشاق المخيبين والعيون المحمرة من شدة السهاد والأيدي المرتجفة التي لا تصلح إلا لكتابة الشعر.

شيء من العراق لا يزال يقيم في بوحه السري الذي لا يعبر عن نفسه إلا همسا. حتى الصراخ في بلاد الرافدين فإنه لا يحمل كلمات واضحة، بقدر ما ينداح على شكل جملة طويلة من الهمهمات.

هناك خيط من النحيب لم ينقطع منذ فجر الحضارات حتى اللحظة. على ذلك الخيط يعلق العراقيون أجمل وأنظف ما يملكون من ثياب. لم يعتد العراقي على استعراض ثيابه المتسخة إلا بعد أن سقطت دولته الوطنية فبات عاريا، لم تستر عورته الطوائف التي تم استعمالها بدلا من العجلة التي اخترعها العراقيون لتكون مقياسا لطريقتهم في النظر إلى ماضي ايامهم.

عراقيو اليوم هم شعب هائم. وصلت حيرتهم بهم إلى درجة الشك في ثوابت العيش التي تخيلوا يوما ما أنها لن تُمس، فإذا بها تتوزع بين الخرق التي صاروا يصنعون منها رايات، لم تجلب لهم إلا الشؤم.

وإذا ما كان العراقي يملك ما لا يُحصى من أسباب البكاء، فإنه لم يخترع تلك الأسباب بسبب تشاؤمه، ولا لأن الطبيعة فرضت عليه حسا فطريا بالفجيعة، بل لأنه اكتشف الموت مبكرا. وهو ما شعر أنه يعطل جزءا من شهوته ورغبته في الحياة التي يرغب في أن يعيشها متهورا وطائشا وعاصفا وراقصا وعنيفا وحنونا وعاطفيا ومسرعا وهجوميا ومتمردا ومختلفا ورافضا وشاكا وغريبا وغامضا ومتطرفا وصلبا في تمترسه اللوني بين الأسود والأبيض.

لم يكن هناك ذكر للرمادي في حياة العراقيين. الرمادي لم يكن صنعتهم.

في انفعاله السريع ولمفاجئ لا يعرف العراقي النفاق.

يخسر ما يخسر في الأرض كما في السماء من أجل أن يتماهى مع بلاغة انفعاله. ولهذا نجح العراقيون في أن يصنعوا عبر التاريخ وطنا يشبههم. نضارة أرواحهم لم تسق غصون أجسادهم القابلة للانكسار، بسبب يباس ثقتها بما تقول وتفعل.

اليوم لا شيء من العراق يذكر به.

كان سقوط بغداد يوم احتلالها عام 2003 حدثا جللا، لم يطو صفحة الحكم الوطني وحده، بل طوى صفحة العراق الذي نعرفه. وهو عراق كان ممكنا بين دمعتين، على مائدة سجال وطني، فوق غيمة من النحيب الذي يتبادله سلمان المنكوب وعبادي العماري.

قبل الاحتلال كان هناك عراق يضرب العراقيون رؤوسهم بالحائط من أجل أن تنبثق قطرة دم، تذكر به. ولكن ذلك الحائط لم يعد موجودا. لذلك صار العراقيون يحركون رؤوسهم من غير أن تصطدم بشيء. ليس هناك سوى الفراغ. لقد وهنت قدرتهم على اختراع عراق، يضمهم مختلفين.

عراق اليوم هو عراق الطوائف. عراق الميليشيات. عراق المفخخات. عراق المسيرات الجنائزية. عراق القتل والاختطاف على الهوية. عراق المقابر الجماعية. عراق النزوح والتهجير والارامل والأمهات الثكالى. عراق الأحزاب الملغزة التي تتسابق في ما بينها على الغنائم. عراق اللصوص والفاسدين والعمائم الزائفة والدسائس من تحت الطاولة وفوقها.

ما من شيء في عراق اليوم يذكر به. بنعمته وجنته ودعة العيش فيه.

ألا يحق للعراقي أن يكره وطنه وقد صار ذلك الوطن عدوا للجمال؟

العراق اليوم بلد قبيح. يتجسد قبحه في تدني قيمة الإنسان فيه.

حتى البكاء الرقيق اختفى. لا يقوى البكاء على مجاراة القبح. لقد خلق البكاء من أجل الجمال. هل يُعقل أن نبكي وطنا قبيحا؟

 

فاروق يوسف

الاسم صديق لفاروق
الدولة بغداد

لم ار كاتبا عراقيا مثل فاروق يوسف مخلصا لقناعاته مع اني اختلف معه في الكثير من الافكار، على الكتّاب العراقيين الطائفيين التعلم منه

2016-09-15

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>