First Published: 2016-09-16

ترامب وايران... والسعودية

 

عالم جديد. عالم وقح لا يتردد في الكذب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هناك عالم جديد اسمه عالم بناء السياسة على الكذب بعدما كان التغاضي عن الكذب في كلّ ما له علاقة بالسياسة من الامور المتعارف عليها. كان الكذب يُعتبر استثناء وليس قاعدة للعمل السياسي. هذه نقلة نوعية على الصعيد العالمي ليست الدول الكبرى في منأى عنها، بما في ذلك الدول التي تحاضر في الاخلاق وتدّعي محاربة الارهاب.

صار الكذب في هذه الايّام في أساس السياسة. على سبيل المثال وليس الحصر، تقصف الطائرات الروسية وتلك التابعة للنظام السوري مدنيين سوريين ومدارس ومستشفيات وتدعي موسكو والنظام السوري ان الهدف هو "داعش". استثمرت الاجهزة التابعة للنظام السوري طويلا في "داعش" وصولا الى يوم صار فيه مطلوبا ان يكون هذا النظام جزءا من الحرب على الإرهاب. هل من كذبة اكبر من هذه الكذبة التي اسمها مشاركة النظام السوري في الحرب على الإرهاب الذي هو في أساس تكوين هذا النظام؟

يصعب تحديد من وراء تلك النقلة النوعية. لكنّ افضل من يمارس فنّ الكذب حاليا هو دونالد ترامب المرشّح الجمهوري للرئاسة الاميركية الذي تنتقده إدارة باراك أوباما على الصعيد الداخلي، فيما تعتمد خارج الحدود الاميركية الأساليب نفسها التي يلجأ اليها ترامب!

كان مفيدا إشارة مجلة "ايكونومست" أخيرا الى المدى الذي وصله ترامب في الكذب. ففي عددها الصادر أخيرا والذي على غلافه عبارة "فن الكذبة"، تشير المجلة البريطانية، التي تعتبر بين الارقى في العالم، في مقال افتتاحي الى ان ترامب يقول انّ الرئيس باراك أوباما "زيّف" شهادة ولادته وانّه وراء خلق "داعش" وان آل كلينتون "قتلة" وان والد احد منافسيه كان الى جانب لي هارفي اوزوالد عندما اغتال جون كينيدي في الثاني والعشرين من تشرين الثاني ـ نوفمبر 1963 في مدينة دالاس الاميركية...

لم تبخل المجلّة بالامثلة التي تعطي فكرة عن عالم تجاوز فيه "فنّ الكذبة" كل حدود. تشير أيضا الى ان المملكة المتحدة انسحبت من الاتحاد الاوروبي بعد استفتاء صدّقت فيه اكثرية المواطنين ان "جحافل المهاجرين" ستغزو بريطانيا بمجرد انضمام تركيا الى الاتحاد. اكثر من ذلك، صدّقت أكثرية في المملكة المتحدة ان خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيوفّر عليها نحو 470 مليون دولار أسبوعيا. تبيّن بعد اعلان نتائج الاستفتاء ان كلّ الشعارات التي اطلقها مؤيدو "بريكسيت" أي الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبي ليست صحيحة، بل لا علاقة لها بالواقع من قريب او بعيد. لم تعد توجد في الساحة السياسية البريطانية أي شخصية تدافع عن الخروج من الاتحاد الاوروبي وترفع الشعارات التي اخذت البريطانيين الى حيث هم الآن. صار على وزير الخارجية الجديد بوريس جونسون، الذي كان بين ابرز الداعين الى الخروج من الاتحاد الاوروبي، ان يكون مجرّد متفرّج على المشهد المحيّر الذي تشرف على ادارته رئيسة الوزراء تيريزا مي. لم تعد تريزا مي تجد ما تقوله سوى انّها ستشرف على عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي، وان لا مجال لاستفتاء جديد في وقت لم يعد امام بريطانيا سوى البحث عن شركاء تجاريين جدد.

صار الكذب سياسة. نسي باراك أوباما فجأة ان ما يشكو منه في الولايات المتحدة تمارسه ادارته في انحاء مختلفة من العالم. نسي انّه وضع في العام 2013 "خطا احمر" لبشار الأسد قبل استخدام الاخير للسلاح الكيميائي في حربه على الشعب السوري. ربّما نسي اوباما ما هو اللون الأحمر وذلك بقبوله بان يكون تابعا لفلاديمير بوتين في شأن كلّ ما له علاقة بسوريا.

يرفض باراك أوباما، وهذا ما لا تشير اليه "الايكونوميست"، ان ايران لا تختلف كثيرا عن دونالد ترامب. كيف يمكن تصديق ان المملكة العربية السعودية تتخذ موقفا من الحجاج الايرانيين، فيما يشير الواقع الى ان الملك سلمان بن عبدالعزيز يشرف شخصيا على راحة كلّ حاج وهو يدعو صراحة الى "رفض الغلو والتطرّف" مؤكدا ان "المملكة ترفض رفضا قاطعا" ان تتحوّل شعائر الحج الى "تحقيق اهداف سياسية او خلافات مذهبية. فقد شرّع الله الحج على المسلمين كافة دون تفرقة". هل السعودية من هاجم احدى القنصليات الايرانية في المملكة ام ايران التي هاجمت القنصلية السعودية في مشهد والسفارة في طهران، وذلك في تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد؟ هل من شاهد على ان السعودية ارتكبت أي خطأ في حق أي حاج أكان إيرانيا او غير إيراني؟

في الشرق الاوسط حاليا، هناك من يتبع نهج ترامب بكلّ وقاحة. المؤسف ان أوباما يعترض على المرشح الجمهوري في الولايات المتحدة، ويتغاضى عمّا تفعله ايران في المنطقة.

على السعودية تحمّل كلّ أنواع الاستفزازات الايرانية، بما في ذلك مقاطعة الحج والتهجّم على قيادة المملكة، فيما ليس ما يشير الى ان هناك نيّة في اتخاذ موقف اميركي واضح من الممارسات الايرانية التي هي خرق لكلّ القوانين الدولية ولكل ما له علاقة بسيادة الدول.

ماذا لدى الإدارة الاميركية تقوله عن الذي تفعله ايران في العراق؟ هل من كذبة اكبر من انّ "الحشد الشعبي"، الذي هو كناية عن ميليشيات مذهبية عراقية تابعة لإيران، يحارب الإرهاب ويسعى الى قيام دولة العدل والقانون والحرّيات في العراق؟

هناك مئة سؤال، على الأقل، يمكن طرحها في شأن الممارسات الايرانية في المنطقة العربية بغطاء من إدارة اوباما. ماذا تفعل ايران في سوريا حيث تدعم نظام اقلّوي عن طريق ميليشيات مذهبية لا تقلّ خطورة عن "داعش". كيف يمكن للولايات المتحدة، بمشاركة روسيا، شنّ حرب على "داعش" وتجاهل هذه الميليشيات المذهبية المدعومة من ايران التي ليست سوى الوجه الآخر لتنظيم "داعش" واخواته واخوانه؟

اذا كانت إدارة أوباما تشكو من ترامب وكذبه، ليس طبيعيا ان تقبل ممارسات من النوع ذاته في الشرق الاوسط والخليج. من يرفض مدرسة ترامب في الولايات المتحدة، لا يمكن ان يقبل بها في مكان آخر، لا تجاه المملكة العربية السعودية او البحرين ولا في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هل تدرك إدارة أوباما معنى منع ايران لبنان من انتخاب رئيس للجمهورية مستخدمة سلاح ميليشيا مذهبية لا اكثر؟

هناك تورّط إيراني في العمق في اليمن. هناك صواريخ باليستية تطلق من الأراضي اليمنية في اتجاه السعودية التي يتبيّن كلّ يوم كم كانت محقّة في قيادة "عاصفة الحزم" وذلك من اجل تدمير المشروع الايراني في اليمن. الا تعرف الولايات المتحدة مصدر هذه الصواريخ التي وصلت للحوثيين؟

الى متى يبقى الكذب سياسة؟ الى متى سيظل في استطاعة مجلة مثل "الايكونومست" الكلام عن "فنّ الكذبة". هل هذا شعار العالم الجديد الذي دخلناه، عالم وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من دونالد ترامب يمتلك احد عشر مليون متابع على "تويتر"، فيما في استطاعة ايران القول انّها شريكة في الحرب على الإرهاب، الى جانب النظام السوري وروسيا فلاديمير بوتين؟

هذا ليس عالما جديدا تقوم فيه السياسة على الكذب بمقدار ما انّه عالم غريب لم تعد فيه ايّ حدود، من أي نوع، للوقاحة.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
لغز ايمانويل ماكرون
2017-04-26
قصّة ملك... ورئيس لنظام
2017-04-24
إيران تردّ على اميركا في لبنان!
2017-04-23
بين صعود تيريزا مي... وهزالة فرنسا
2017-04-21
ما اشبه اليوم بالبارحة في ايران
2017-04-19
تأخّرت معركة الحديدة... ام لم تتأخّر
2017-04-17
ساعة الحقيقة تقترب في سوريا
2017-04-16
وصيّة سمير فرنجية
2017-04-14
استهداف مصر مرتبط بالردّ الاميركي
2017-04-12
من ضياع الجولان... الى ضياع سوريا
2017-04-10
المزيد

 
>>