First Published: 2016-09-17

العراق وهو نفق مظلم

 

لو أن الولايات المتحدة احتلت العراق يوم حررت الكويت لما انتهى العراق على ما هو عليه اليوم من رثاثة وهزال وضعف وكآبة وضياع وتمزق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يعز علي أن أصفه بالنفق المظلم فهو وطني غير أنني لهذا السبب لن أخونه فاقع في الأحاجي والألغاز الطائفية التي صارت تزوره.

لقد عشت فيه بصعوبة. كان زمن العقيدة الواحدة يومها صعبا. غير أن كل شيء كان فيه واضحا. كان لدى البعثيين مشروعهم. وهو مشروع تنويري غير أنه يقوم على مبدأ استعمال العصا.

لقد أنتج التعليم المجاني في كل مراحل الدراسة وصولا إلى الدكتوراه جيلا متعلما، لن يجد أفراده أنفسهم في الشارع بعد التخرج، بل كانت الوظائف في انتظارهم. ولكن بطريقة التعيين المركزي الإلزامية.

كان ذلك السلوك القهري بداية لعسكرة المجتمع.

كان البعثيون يومها حسني النوايا وهم يسعون إلى الارتقاء بالبلد من خلال وضع الكفاءات المتاحة في خدمته، ولم يكن تهمهم حقيقة أن ما كانوا يقومون به هو تجسيد نموذجي لمصادرة حرية الاختيار.

بعد التعليم الالزامي المجاني كانت الخدمة في الدولة ومن خلالها المجتمع إجبارية.

لولا وقوع الحرب ضد إيران لكانت شركة البعث القهرية قد نسجت بيت عنكبوتها. غير أن تلك الحرب محت بطريقة عفوية كل الخرائط. فصار الأطباء والمعلمون والمهندسون والاقتصاديون جنودا.

دخل العراق يومها إلى النفق المظلم.

لقد بات العراق بلدا خطرا على أبنائه. فالحرب التي استمرت ثمان سنوات وقد انتهت بطريقة عبثية كانت قد خلفت مليون قتيل ومعاق وجريح، ولم تؤد إلا إلى حرب، كانت المقدمة للإنهيار الحقيقي للعراق.

يومها بدأت هجرة العقول. كل الهجرات السابقة كانت عقائدية.

لقد بدا واضحا أن العراق فقد يومها عقله.

لو أن الولايات المتحدة احتلت العراق يوم حررت الكويت لما انتهى العراق على ما هو عليه اليوم من رثاثة وهزال وضعف وكآبة وضياع وتمزق.

كانت الدولة يومها (1991) قائمة.

اما عام 2003 وهو العام الذي قررت الولايات المتحدة فيه غزو العراق فإن الدولة فيه لم تعد بسبب الحصار إلا أثارا لأشباح هياكل، دفن الاندثار والبؤس وإعادة التصنيع وفقر الخيال وضيق اليد الجزء الأكبر منها.

سقطت بغداد يومها ولم تقاوم لأنها كانت قد وصلت إلى الحافة التي يكون فيها انتظار البرابرة نوعا من الحل. كان من المؤمل أن يفجر حدث كارثي مثل الاحتلال جدران ذلك النفق المظلم التي تكلست عبر عقود من العمى.

ما لم يحتط له العراقيون كان المحتل على دراية به.

لقد انتجت سنوات القهر أجيالا من الجهلة والأميين محت بطريقة ماكرة كل أثر من ذلك المشروع التنويري الذي كان التعليم الالزامي واجهته. لقد عادت تلك الأجيال بالعراق إلى عصر ما قبل الدولة.

ما عثر عليه المحتل لم يكن إلا عراقا مدفونا، وهو ما أوحى للمتعاونين مع المحتل أن يحولوا بلادهم التي تناهبوها إلى مجلس كبير للعزاء. تعددت أسبابهم في ذلك بدءا من استذكار واقعة الطف الحسينية وانتهاء بضحايا السيارات المفخخة التي صارت تهبط على العراق كالمطر.

وسط كل ذلك التجاذب الجنائزي كانت إنسانية العراقيين تتعرض للمحو. وهو ما سيشكل في ما بعد عائقا دون تبلور مفهوم جديد للوطنية، خارج سياق الانحيازات الحزبية والطائفية والجهوية.

حين وافق العراقيون على تبني نظام المحاصصة الطائفية والعرقية فإن ذلك كان مؤشرا خطيرا على تدني مستويات وطنيتهم. غير أنه في الوقت نفسه كان قرارا للبقاء في عتمة النفق المظلم لعشرات سنين مضافة.

بطريقة ممنهجة تم اجتثاث ما تبقى من آثار الوطنية العراقية. بحيث صار الحديث عن بناء العراق الجديد هو نوع من المجاز الذي يشير إلى تفشي آفة الفساد في المجتمع.

وإذا ما كان البعض من مروجي ثقافة الانهيار يسعى إلى اشهار الحرية مقابل الوطنية، فإن وقائع ما يشهده العراق تؤكد أن العراقيين فقدوا الكثير من حريتهم حين أفقدوا دوافعهم للبقاء معا تحت خيمة وطن واحد.

الحرية الوحيدة التي ربحها العراقيون هي حرية التشرد. حكاما ومحكومين، ظلاما ومظلومين صاروا يتسابقون من أجل الخروج من النفق المظلم، لكن في اتجاه المنافي البعيدة.

 

فاروق يوسف

الاسم هانئ السعدي
الدولة العراق الدامي

هذا هو عين الصواب .

2016-09-17

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الغام الاخوان تحت أقدام المصريين
2017-05-29
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
المزيد

 
>>