First Published: 2016-09-18

الصحافة الورقية دافع إلى الصعود الرقمي

 

رئيس تحرير نيويورك تايمز يقرأ المستقبل بطريقة الرؤيوي، يثق بالعصر الرقمي للصحافة، من دون أن يهمش المطبوع منها، فهو دافع إلى الصعود وليس عبئا عليها، القراء كالمستخدمين الرقميين سيبقون جزءا من الحل لاستخراج المزيد من المال من الجمهور.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

في فترة إدارته لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” كان مارك تومبسون مُعتادا على تلقّي نصائح تأتي دون طلب منه حول أفضل طريقة لتحسين كل قسم. لم يتخل عن مثل هذا الاعتياد بعد انتقاله لرئاسة تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية قبل سنوات، مع أنه واجه الصد والتهكم فيأول يوم عمل له، من قبل الصحافيين بالطبع!

ففي أول مؤتمر صحافي له في نيويورك عام 2012، كانت الأسئلة التي توجه إليه أشبه بسهام الاتهام، بعضهم وصف هذا الإنكليزي القادم إلى الولايات المتحدة ليترأس تحرير واحدة من الصحف الأكثر تأثيرا في العالم، باللاصحافي!

برباطة جأش، رد تومبسون على هذا الاتهام بالقول “على مهلكم لا يمكن وصفي باللاصحافي، وممَن؟ من صحافي أيضا!”.

مازال تومبسون يعتبر نفسه في قلب المصهر الصحافي، منذ أن عمل محررا إخباريا في أعرق المؤسسات الإعلامية الدولية، ويؤكد اليوم أن قدرته لم تتراجع على كتابة قصة إخبارية من 1500 كلمة خلال ساعة إذا لزم الأمر.

ومنذ أربع سنوات يتقدم مارك تومبسون بثبات في طريقه الرقمي، فبعد أن أدار بوصلة “بي بي سي” باتجاه الرقمية بنجاح، ها هو اليوم يدخل “نيويورك تايمز” بوصفه المدير التنفيذي لإدارتها، في عصرها الرقمي وبسرعة كافية لاستبدال تقلّص الإيرادات في الصحافة الورقية.

يطمح تومبسون إلى جمع 800 مليون دولار كإيرادات رقمية في صحيفة “نيويورك تايمز” بحلول عام 2020، حيث وضع لافتة ورقية في مكتبه تشير إلى الإيرادات الحالية لأعمال الصحيفة “الصحافة المطبوعة مليار دولار، الصحافة الرقمية 0.5 مليار دولار”.فهل يحقق مخططه بعد أربع سنوات؟

مثل هذا الصحافي يقرأ المستقبل بطريقة الرؤيوي، لذلك يثق بالعصر الرقمي للصحافة، من دون أن يهمش المطبوع منها، فهو دافع إلى الصعود وليس عبئا عليها، القراء كالمستخدمين الرقميين سيبقون جزءا من الحل لاستخراج المزيد من المال من الجمهور الأميركي الأساسي لصحيفة “نيويورك تايمز”، عبر طرح منتجات جديدة أو العثور على قرّاء جُدد.

كذلك تحدث مارك تومبسون في التقرير الذي نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية الأسبوع الماضي عن استثمار خمسين مليون دولار في التوسع الدولي على أمل الاستيلاء على الملايين من المشتركين الجدد الذين يُناسبون التركيبة السكانية لقرّاء الصحيفة. ومن بين الخطط المقترحة طبعات بلغات أخرى قد تكون العربية من بينها. ويتحدّث بحماس عن الفرص مع التصوير الفوتوغرافي، واستجابة الآلة لمهام كان يقوم بها المحررون، والروبوتات والذكاء الاصطناعي كجزء من تصوّر أوسع لصناعة الأخبار.التجربة جعلت من تومبسون يثق بما يمكن أن يجنيه من واردات رقمية، على سبيل المثال يتذكر مقطع فيديو وضعه على فيسبوك في الساعة السادسة من صباح يوم تصويت المملكة المتحدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

الواقع يقول إن المستخدمين مازالوا يغطون في النوم، لكن النتيجة أفضت إلى ألف تعليق بعد ثوان من نشر الفيديو!

ماذا يعني هذا غير المزيد من الثقة في العصر الرقمي بالنسبة إلى مارك تومبسون.

لذلك يركّز اليوم “ليس على خطاب التغيير فحسب، بل أيضا على الأمور التي تُحقق المال في الواقع”.

تومبسون خريج جامعة أكسفورد الذي سيدخل عقده الستيني العام المقبل، حريص على الحفاظ على تراث نيويورك تايمز وصحافتها المطبوعة، التي يقول إنها ستتم طباعتها “لفترة طويلة مقبلة، عشرة أعوام أو أكثر”. ويرفض أي فكرة يُمكن أن تخوض في تغيير الاسم في محاولة لإنعاش الأعمال الكاسدة. الصحف لا تخرج من السوق المريضة بتغيير أسمائها، لأنها ستغادر ذاكرة قرائها الأوفياء.

هناك أرقام غير سارة عن المردود الإعلاني الرقمي، لكن تحمّل صدمة البداية يعني امتصاصها في نهاية المطاف، فالإنفاق العالمي على الإعلانات على الإنترنت وصل إلى 159 مليار دولار عام 2015، وفقا لمجموعة الأبحاث إيماركيتر.

شركة غوغل أكبر لاعب في صناعة الإعلانات على الإنترنت، بلغت إيراداتها 67 مليار دولار في العام الماضي. هذه الأموال تدعم اقتصاد الإنترنت وتدعم تريليونات من الدولارات من الأسهم في شركات الإعلام والتكنولوجيا.

هل ستعود ماكنة الصحف للدوران مجددا بطريقة تصنع مالا؟، الأمر ليس مستبعدا في العصر الرقمي عندما يتعمد الإبقاء على المطبوع كجزء مهم في استمرار عملية الدوران.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
المزيد

 
>>